قدر الذين امتهنوا كتابة المقال في السنوات الأخيرة أنهم جاؤوا في وقت لم يعد لكاتب المقال قيمة كما كان في زمن مضى، ففي الماضي كان صاحب الزاوية في الصحيفة بمثابة الخطيب المفوه أو الشيخ المفتي، وكانت كلماته تسير عبر المجالس والزمن، سواء كانت مهمة أو تافهة، المهم أنه يستشعر حضوره جيدا ويستمد قوته من ذلك المكان الذي يتحصن فيه وحده ويلقي على القوم ما تيسر من كلمات.

قدر هؤلاء المحاربين الجدد، وأنا واحد منهم، أنهم حضروا في حفلة الإعلام الكبرى مع تعدد المنابر ومواقع النشر والشبكات الاجتماعية، فضاعت أصواتهم في الزحام إلا قليل مما يصرخون به مع كثير من الألم، وقدرهم أيضا أن التركيبة الإعلامية تغيرت كليا، وأصبح من يملك حسابا على "تويتر" يتبعه ملايين أو مئات الألوف أكثر أهمية من كاتب مقال وأحيانا أكثر تأثيرا من صحيفة.

هذه التغيرات لم تقتصر على من دخل معترك الكتابة حديثا، وإنما طالت كتابا مخضرمين كانوا يملؤون العالم ضجيجا ببضع كلمات في مقال، فحتى هؤلاء النجوم خفت ضوؤهم وتوارت شهرتهم شيئا فشيئا، ولن أبالغ لو قلت إن بعض الكتاب المؤثرين حينها لم يعد أحد يقرأ لهم، ومن بينهم من يستحق الشفقة نظير إصراره على الكتابة بذات الطريقة التي يكتب بها منذ سنوات من أجل البقاء في الساحة حتى لو جاء ذلك على حساب اسمه وتاريخه.

لكن كل هذا لا يعني أن المجال لم يعد مفتوحا لولادة كاتب مميز أو كتاب يمتلكون من الفن والحرفنة ما يجعلهم في الصف الأول، ويبدو أن المسألة مسألة وقت واستمرارية وقدرة على التطوير وصقل المهارات، وأولى هذه المهارات القراءة والقراءة العميقة والمتخصصة، وهنا مكمن التحدي الكبير، فالكاتب الذي لا يقرأ لا يجني على نفسه فقط؛ بل يجني على جيل بأكمله.