يحفل المشهد الثقافي لدينا بعدد لا بأس به من الرموز التي اختطت لها منهجا ورسمت حضورا مختلفا فكانت ملء السمع والبصر، ما حدا بالملتقيات الفكرية والثقافية داخل وخارج المملكة إلى استقطابها واستضافتها، ليس هذا فحسب، بل إن كثيرا من الجوائز الثقافية والدوريات المتخصصة تضم في عضويتها العاملة أو الاستشارية تلكم الأسماء اعترافا بالدور الذي تضطلع به، ولأن وجودها في"ترويسة" تلكم النشاطات مدعاة إلى الإقبال عليها والمشاركة فيها.
وعلى الشاطئ المقابل من النهر هناك أضواء مركزة ووهج أخاذ على رموز أخرى صنعتها عدسات الصحافة، و"مكبرات" الأحجام حتى أضحت هي الأخرى تزاحم الكوكبة الطليعية على المنصة، بل وتتجاوز ذلك إلى مصادرة نتاجها، والتهكم على منجزها، ناهيك عن رفع العقيرة بالتنظير وادعاء المعرفة في كل محفل أو لقاء أو مناسبة أو" بهو" فندق فخم. واقع الأمر أن من عايش المشهد منذ بواكير احتدامه الفكري بين ما اصطلح عليه بالأصالة والمحافظة وبين دعاوى التغريب والحداثة وحتى الحالة التي هو عليها الآن قد قارب ورأى "عينا وعقلا" أن صناعة الرمز لدينا لا تكلف وقتا أو جهدا، فما عليه سوى اجتراح ما هو متفق عليه من السياقات التي يتشبث بها المجتمع ليكون بعدها مجالا لنقاش دائر تقتات المنابر – بتنوعها- عليه خطبا ومقالات وندوات، فيما الأضواء تتآزر لتشكل أطيافا لونية حوله لا تلبث شمس الحقيقة الجلية أن تبددها دونما سابق إنذار.
وحين تقام محاضرة هنا أو أمسية هناك، تحضر لأنك أحد الهائمين في لجج الوهج ثم لا تلبث - بعد أن يستمطر الضيف أفكاره ويدلقها أمامك- سوى أن تضرب كفا بكف زاما شفتيك، وملقيا باللوم على نفسك التي سدرت حينا من الدهر تتابع الرمز المصنوع، وعاضا على لسانك الذي طالما اجترّ عبارات وأحجيات ادعى صاحبنا أنها من لآلئ المعرفة، ونفائس القول.
الأمر اليوم لم يعد خافيا على أحد من المهتمين بالبنية المعرفية والثقافية وما يتأتى عنها من منجز إبداعي، لقد أضحت وسائط الاتصال والتواصل الاجتماعي مرشحا غير اعتيادي لما كنا نؤمن به على أنه الفعل النافذ في تشكل مشهدنا المحلي، الآن حصحص الحق ولم يعد للصوص الأضواء متسع في منصة الاشتغال الفكري أو الثقافي، فلا الصحافة التي كان لها شيء من الدور قادرة على إضفاء مزيد من البريق عليهم، ولا هم بتصديقهم لـ"بروباغندا" الشهرة سيتمكنون من منع خفوت الوهج.