كل يوم تذوي شمعة من شموع المعرفة في بلادنا، وكأن الشفق على موعد دائم، ليطفئ نور الإبداع في مآقينا. قمم وهامات تذهب وتدور أسماؤها في فلك عالمي، لا يجد صداه في واقع نهل منه وتيمم بترابه!

التاريخ لا يرحم، ولا يقبل التزييف، فإن تزيف بشكل مؤقت بعث على أكمل صورة له في يوم ما! والتاريخ لا يصنعه إلا العظماء، مهما حاول المدلسون والمنافقون، اقتحام مداراته، وغالبا ما يكون هناك بريق مؤقت!

وعندما يرتحل العظماء، تبقى أعمالهم وتاريخهم خالدة فوق هامة الزمن، رغم أنف المزيفين. وها نحن نقرأ تاريخا صنعه العظماء منذ فجر التاريخ، في جل العلوم والاختراعات والمعارف، فلا تدور ثانية من ثواني الزمن إلا وأسماؤهم تدور على ألسنة البشر، وللعرب نصيب كبير في صناعة التاريخ.

ومن هنا تظل في الحلق غصة من هذا التجاهل والمعاملة التي لا تليق بالعلماء وصناع المعرفة في بلادنا، فإذا ما ارتحلوا عن عالمنا أسرعنا جماعات وفرادى للتشبث بأهداب أذيالهم، لعلنا نلتقط منها خيطا أو نعلقها أيقونة!

هذا ما نشاهده عندما يرتحل شعراء وأدباء عن عالمنا، أمثال نزار قباني، ونجيب محفوظ، ويحيى حقي، ومحمود درويش، وغازي القصيبي، وغيرهم، من صناع الثقافة ونحت الوجدان. لم يكن عالمهم يؤدي ما عليه تجاههم مثلما أدوا هم تجاهه!

وها نحن اليوم نفقد واحدا من أعظم شعراء العامية في الوطن العربي "أحمد فؤاد نجم"، الذي كان العالم يحتفي به قبل أن يموت، قبلما نحتفي نحن بهذا الشاعر الكبير، الذي كانت ثروته كلها كلمات، إلا أنها ليست كالكلمات!

نحت الوجدان العربي وعلم أجيالا وأجيالا كيف يكون حب الوطن.. كيف تصاغ العاطفة، فيقول:

"مصر يامه يا بهية يام طرحة وجلابية

الزمان شاب وانتي شابه.. هوه رايح وانتي جايه".

ثم يقول في حب مصر:

"الغرام في الدم سارح

والهوى

طارح معزه

والحنين للقرب بارح

والنوى جارح

ياعزه

ياابتسامة فجر هلت

بددت ليلي الحزين

يا ندى الصبح اللّي سأسأ

فوق خدودي الدبلانين

بل شوقهم

صحى لون الورد فوقهم

كل خد

وشم ورده

مين يدوقهم

غيرك انتي

ومين سواكي

يا حياتي"

ثم لم يصعد نفس ويهبط آخر، إلا وتغنى في حب وطنه، فكان هو آخر من خط الوجدان والعاطفة لدى المواطنين المصريين تجاه بلادهم بعد عبدالحليم حافظ وأم كلثوم، ورشدي، وعبدالمطلب، وغيرهم ممن شكلوا هذا الوجدان الذي نراه في ميادين مصر، حبا وهياما بأرضه ووطنه.

ظل "نجم" حتى أيامه الأخيرة نشطا معطاء شاعرا متدفقا، لا يكل ولا يمل هدر شلالاته الدافقة على وطنه حبا وإباء وتضحية، بلا أي مطالب مشروطة أو أي مطامح منشودة سوى كرامة وطن. فالإبداع شهوة تظل تنحر في شط الفكر حتى تخلق عملها في ثوان وحتى آخر نفس، فلا عمر للإبداع، ولا سن يأس يأتي مع آخر العمر!. "نجم" حتى آخر لحظة يغرد ويشدو وكأنه لم يقل شعرا قبل ذاك الشعر، حتى إنه رثى نفسه بقصائد متعددة في آخر لقاء تلفزيوني له، وكأنه يودع العالم دون أن يعلم!

ويذكرني ذلك بالفنانة المسرحية الجزائرية، وهي من رائدات المسرح الجزائري، حينما استضافها مهرجان الفجيرة ليكرمها، وقد أناخها المرض في غرفة الإنعاش إلا أنها، تملأ شاشات المسرح روحا وراقة في سماء المعرفة والحب والوله العتيق بفنها وإبداعها، وخراطيم "الأكسجين" والمحاليل تملأ جسد راقد يودع الحياة!

ما هذا الوله والعشق بالعطاء؟ وما هذا التدفق المعطاء وارف الظلال، في سماء الأوطان؟ أليس حري بنا أن نحتفي بهم وهم أصحاء و"ركاضين" في ربوع الوطن ينشرون روح الوطن في نفوس كلت وتآكلت لتورق من جديد؟

من للوطن غير هؤلاء يصوغون الحب والانتماء في أغصان غضة، ما تزال لم تحدد اتجاهها بعد؟ من يعوض تلك الدعامات إذا ما تآكلت؟ ليس أمر على قلوب هؤلاء من تجاهل أوطانهم لهم، أو قهرهم، أو تجاهل عطاءاتهم، التي تصبح ينابيع نجاح وانتماء ووطنية وشموخ وسارية في عيون الوقحاء والدخلاء، والعملاء، والمرتشين والسماسرة و"السراسرة".

في حديث مع إحدى صديقاتي قالت لي: لماذا لا نستمتع بعلمائنا وعظمائنا، ومفكرينا، وهم أحياء، بذكرهم ونشر أعمالهم، وتكريمهم، ولقاءاتهم، ونمتعهم بتمجيدنا لهم وذكرهم والاحتفاء بهم؛ لأن ذكرهم وهم أحياء يحدث متعة، أما ذكرهم وهم أموات فيحدث حزنا وألما؛ لأننا لم نعد غير قادرين على النهل من ينابيعهم المتدفقة والمتجددة!.

في أغلب الأحيان، يقوم العالم الخارجي بتقدير هؤلاء، حيث تلمع أسماؤهم في سماء ثقافتهم وعلومهم، فهذا زويل، ومحفوظ، وغيرهم، تدوي أعمالهم وأسماؤهم وجوائزهم في الأفق الخارجي، بينما لم نجد لهم هالة بقدر عطائهم في بلادهم، فهذا أحمد فؤاد نجم كاد يستلم جائزة ثقافية في فرنسا في هذا الشهر، إلا أن القدر كان أسبق.