لوسائل الإعلام وظائف حيوية ومهمة، تنطلق من حاجة الفرد والمجتمع، ومن هذه الوظائف تسهيل التفاعل الاجتماعي من جهة، وتكوين تفاعل اجتماعي بديل من جهة أخرى، بحسب ما تؤكده الدراسات الإعلامية.

لقد أسهمت الثورة المعرفية والتقنية في تطور هائل لتقنيات الإعلام والاتصال، أسهم في تحقيق تفاعل المستخدمين عبر مختلف الوسائط وتقنيات الاتصال، ولا شك أن التطور المتسارع في صناعة أجهزة الاتصال اللوحيّة والكفيّة أتاح للمستخدمين صغارا وكبارا، أن يكونوا متفاعلين نشطين و"منغمسين" في عالم الإنترنت وما يحويه من مواقع إلكترونية مختلفة. تعد مواقع التواصل الاجتماعي اليوم إحدى أهم وسائل إنفاق الوقت والجهد والعلاقات الاجتماعية.

وأتاحت هذه الخاصية "التواصلية" لغالبية الأفراد، أن يكونوا مستخدمين متفاعلين نشطين، وهذا ما يدعم مصطلح "المواطن الإلكتروني النشط" الذي ظهر في ظل مؤثرات ثقافية واجتماعية وتربوية وتقنية؛ ويشير مفهومه إلى الاعتماد على التقنية في معظم أنشطة التواصل الشبكي للوصول إلى المعلومات وتحليلها والمشاركة في إنتاجها ونشرها.

هنا تبرز مبررات تربوية أمام العالم اليوم للسعي إلى الحد من المؤثرات السلبية لوسائل وتقنيات الإعلام والاتصال، وتدعيم الآثار الإيجابية لها، ولذلك تسعى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونيسكو" منذ سبعينات القرن الماضي إلى توعية العالم بهذا الأمر، عبر نشر مفهوم "التربية الإعلامية" أو ما يسمى أحيانا بـ"محو الأمية الإعلامية"، وهي ليست غاية بحد ذاتها بقدر ما تسعى لتحقيق هدف عام، هو جعل المواطنين نشطين في علميات الاتصال في ظل ازدياد الحس النقدي لديهم، لفهم أبعاد ومرتكزات الإعلام، وبالتالي يكونون مستهلكين واعين ومنتجين أيضا للرسائل الإعلامية في ظل هذا النشاط الإلكتروني، ولذلك تتيح مبادئ التربية الإعلامية تحقيق أهدافها، ومن أهمها تحقيق الوعي كأساس للحماية من المؤثرات السلبية، وضمان حرية التعبير والوصول بحرية إلى المعلومات المختلفة.

والاهتمام بالتربية الإعلامية في ظل تنامي ظاهرة المواطن الإلكتروني النشط العالمية، يتيح أمام المجتمعات فرصا أكبر، خاصة أمام الأجيال، أن تنشأ نشأة طبيعية وتتواصل تواصلا دون أن تربكها التقنيات، على الرغم من أنه يتم الحديث كثيرا حول الآثار السلبية لهذه التقنيات دون اتخاذ خطوات عملية، وأولى الخطى العملية، من وجهة نظري، هي إقرار "التربية الإعلامية" في المناهج الدراسية؛ لتكون داعما لنمو "المواطن الإلكتروني النشط" معرفيا وتربويا وثقافيا واجتماعيا، وهو ما أوصت به الكثير من المؤتمرات الدولية المنعقدة بهذا الخصوص، فالتعاملات اليومية الإلكترونية لمعظم الأفراد تزداد وتترسخ، وعلى هذا الأساس يجب أن يكون الفرد واعيا بما يدور حوله، وبما يفعله هو في الفضاء الإلكتروني الفسيح، وبهذا فقد أكد مؤتمر مدريد للتربية الإعلامية المنعقد عام 2005، أن غياب التربية الإعلامية يحدث إفلاسا اجتماعيا، وبالتالي تحدث هوة رقمية تمثل خطرا سياسيا على المجتمع، ولا سيما على الدول الديموقراطية، كما أكد على أن الاستثمار الإيجابي لوسائل وتقنيات الإعلام والاتصال، يسهم في تكوين الحس الناقد لدى المواطنين.

وتتجه بعض الحكومات والمنظمات إلى الإسهام في تكوين المواطن الإلكتروني عبر برامج لتنمية المهارات الإلكترونية وتقنيات الحاسب الآلي والإنترنت للأفراد الذين تنقصهم هذه المهارات، إلا أن هذا الأمر رغم أهميته لن يقدم لهم أكثر من المهارات اللازمة للتشغيل والدخول إلى المواقع والاستفادة من الإنترنت في الخدمات الحكومية وغيرها، وبذلك تكون "التربية الإعلامية" هي العلاج الناجع لنشر مختلف المهارات لدى المستخدمين للأجهزة والوسائط وللمتعرضين لمحتويات وسائل الإعلام والاتصال سواء التقليدية أو الجديدة.

وعلى هذا الأساس، فإن كون المجتمع يتجه لأن يكون إلكترونيا، لا بد من وجود برنامج يساعد على اكتمال طور النمو، وهذا البرنامج متعلق بالتربية، وليس لازما حصره بسن معينة، إذ يمكن تقسيم المسؤولية إلى جزأين: بحيث يكون مسمى برامج "التربية الإعلامية" للصغار والشباب، ومسمى برامج "محو الأمية الإعلامية" للكبار الذين يفتقرون إلى مهارات التعامل مع وسائل الإعلام وتقنيات الاتصال، ولا سيما أن البحوث النظرية والدراسات المسحية قد أخذت طريقها إلى هذا الحيز الهام خلال السنوات الأخيرة، ولم يبق سوى وجود قرار يعتمد التجربة قبل التطبيق لصناعة المواطن الإلكتروني النشط.