طالما تساءلت عن السبب الذي يجعل الأمم والدول تتقدم وتزدهر وتتحول من واقع إلى واقع أكثر ملاءمة للعصر وأكثر تفهما لمتطلبات الشعوب والمحيط الإقليمي والدولي، وكنت في كل مرة أطرح هذا السؤال المعقد على نفسي أو على من هم حولي، أفاجأ بأجوبة لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها محسنات لغوية وأحلاما رومانسية وأجوبة لا تضع في عين الاعتبار الواقع الإنساني أو التاريخي أو الحقيقي لديناميكية حركة الأمم والتاريخ.
نحن شعوب عاشت في الصحراء وتأثرت بشكل أو بآخر بما تنفضه هذه الرمال من جلافة في التعامل وصعوبة في العيش وتشكك دائم في كل ما يحيطنا من متغيرات وأحداث، حتى أصبحت فكرة التغيير - في حد ذاتها - لا تتقاطع مع أي معنى للإيجابية والإصلاح، فكل تغيير عن واقعنا المعاش محاولة للانقلاب على طبيعتنا الصحراوية وإرثنا المكاني وتاريخنا الذي يرى كثيرون أنه مجيد لا عيب فيه.
عدم قدرتنا على التحرر من الماضي جعلنا أسرى حاضر لا يشبه الحاضر، وعدم رغبتنا في النظر للمعاصر باعتباره ممرا زمانيا يحوي تراكم الزمان والخبرة والتجارب، هو الخنوع بعينه للسلبية الاجتماعية والعجز الفكري في التعامل مع الواقع بحماس الأمم البانية والساعية للديمومة والتطور.
هناك دول نهضت وأصبحت اليوم نبراسا للتقدم العالمي، برغم تشابه ظروفها التاريخية مع ما نحن عليه، إلا أنها قررت أن تضع لها رؤية للمستقبل، تكفل لها ديمومة في عمر الحضارات، ومكانا يقيها من تقلبات السياسات الدولية ومتطلباتها الاقتصادية، فتمكنت من أن تكون أيقونة إقليمية وعنوانا لكل معاني النجاح والتقدم.
وجود رؤية للمستقبل أمر ينقصنا كمجتمع، فنحن ما زلنا نسير باتجاه اللا اتجاه، معتقدين أن التمسك بالبقاء هو ما يكفل لنا الوجود، فتجدنا ندور في حلقة مفرغة من السجالات العقيمة حول الطريق الذي سنسلكه باتجاه المستقبل في وقت لا نعي أساسا إلى أي سبيل نحن متجهون.
الإشكال الرئيس في مجتمعنا، هو أنه يعتقد أن التقدم نقيض الأسس التي بنيت عليها بلادنا، وأن أي شكل من أشكال المدنية هو بدعة ورجس من عمل الشيطان، فالأمم في نظرهم تبنى باجترار التاريخ لا ببناء الحاضر برؤية المستقبل، متناسين أن الحضارات لا تبنى في كتب التاريخ، بل هي من يكتب التاريخ ويصنعه.