منذ أصدر أحمد أبو دهمان رواية: "الحزام"، باللغة الفرنسيّة، ثم صدور طبعتها العربية بعد عام من صدور طبعتها الفرنسية، صارت "الحزام" دستور الباحثين عن الحبّ والجمال والتسامح والحياة.
بعد كل هذه السنوات منذ صدور "الحزام"، وكل هذه الروايات، وكل هذه الخيبات والمنغصات، وبعد كل الاكتشافات التي جعلتنا نعرف أعداء حياتنا وابتسامتنا، بل وأعداء إيماننا بالله، تبرز أسئلة متداخلة، هي: لماذا نحنّ إلى "الحزام"؟ ولماذا تتصل الكتابة عنها؟ وهل حنيننا إلى العمل في ذاته بوصفه عملاً فنياً خارقاً؟ أم إلى قرية "أبو دهمان" وماضيه وروحه الشفيفة؟ أم إلينا نحن وماضينا وابتسامتنا ونقائنا من أردان التحزب والانحيازات التي لا ضحية لها سوانا؟
أبو دهمان استطاع أن يعيد ويستعيد؛ فأعادنا كلنا إلى قرانا وأزمنتنا، ونفخ الروح في الخلايا الهامدة من ذاكرة كل منا، واستعاد هو نفسه وهو في غربته، بعد أن فتّش عنها، فلم يجدها إلا في ذاكرة قريته، أو كما يقول هو عن باعثها: "لأن "حزام" أورثني ذاكرته ـ ذاكرة القرية ـ لذا كان عليّ أن أعثر عليّ".
القريةُ في "الحزام" مكان نفسي، وهو المكان الذي يُصور مقروناً بخلجات النفس، وأمنياتها، وحنينها، وغبنها على ما كان، في ظلّ ما هو كائن من أحداث ووقائع، ولذا تزداد وهجاً كلما دهمتنا صدمة جديدة، وكلما حاولنا الفرار من الشر الذي يلبس قناع الخير، وكلما شُتمنا من غير ذنب، وكلما قرأَنا أحد على هواه وهوى من علمه سوء الظن والقول والفعل، من أجل مصلحة حزبٍ موهوم، أو حركة مزعومة تمتطينا وكل عزيز لدينا، فلا تصل، ولا نستريح.
كلنا ولدنا ونشأنا في قرى تغني وتغني وتحب وتتسامح ولا تنام عن السلام، ولا تغفو عن الحياة، ثم أصبحنا نعيش في قرى تصنف وتفسق وتكفر وتظلم وتكره وتبغض، وتنام عن كل شيء إلا البغضاء، وتغفو عن كل شيء إلا الظلم والمصادرة والاتهامات، ولذا نعود إلى "الحزام"، لنعود بالزمن إلى الحب، ولو في أحلام اليقظة، ولنتداوى من العلل التي طالما حرصنا على الاحتماء منها، لكنهم حقنونا بها حقناً.
أبو دهمان يقول عن قريته: "ولدت من قرية كل ما فيها كان يغني، فالغناء هو سر حياتها. كانت قرية منتجة وعاملة، تستيقظ في الرابعة صباحا. وقد كان لدي يقين بأن القرية لا تنام، لأنّ كل ما نصحو عليه لا يشير إلى أنه نام لحظة واحدة: الأشجار، الآبار، الحقول، الأمطار، الطيور، الطرقات... لا توحي بأن النوم مر على القرية".
لكل هذا نفرّ إلى "الحزام"، لنعيش خارج إطار زمننا، علنا ننعم.. فهل إلى حزامٍ واقعي من سبيل؟