الفنون هي مشاهد وصور من الحلم البشري الطويل. أحد التفسيرات القديمة لعلاقة الإنسان بالفنون أن هذه الفنون كانت على طول الخط تعويضا له عن قسوة وألم الواقع. العمل الفني عالم افتراضي كما هو الحلم. لكن العالم الافتراضي هنا لا ينبغي أن يفهم على أنه هروب أو ابتعاد عن حياة الإنسان، بل بالعكس؛ فالفنون ربما كانت الصورة الأدق للإنسان في أيدينا. السينما فن حديث مقارنة بفنون أخرى عتيقة كالنحت والرسم والغناء والرقص، لكن السينما، بنت العصر الحديث، جمعت كل الفنون. بمعنى أن السينما حفيدة المسرح هي مساحة رحبة للفنون الأخرى. موسيقى التصوير مثلا من أهم الفنون التي نمت في أحضان السينما كما فعلت فنون الأزياء والرقص والتصاميم الجمالية. لدينا اليوم فيلم سينمائي لا يصنع حلما بقدر ما يحدث في حلم.
فيلمنا اليوم هو Inception 2010. من بطولة ليونارديو دي كابريو. كان هذا الفيلم حديث الساحة السينمائية في أميركا في الثلاث سنوات الأخيرة. فيلم حصل على 8.8 من 10 بحسب النقاد السينمائيين (يعد هذا التقييم عاليا جدا في التاريخ السينمائي) كما حقق الفيلم أكثر من 230 مليون دولار في أقل من أسبوعين من بداية عرضه. مخرج الفيلم وكاتبه أيضا هو البريطاني CHRITOPHER NOLAN مخرج عدد من الأفلام المهمة من أمثال:
THE DARK NIGHT,BATMAN BEINGS, AND MEMENTO
فيلمنا اليوم هو أحد روائع هذا المخرج الاستثنائي، المخرج الذي يقدم أفكارا لها طابع خيالي متقدم، ولكنها وثيقة الصلة بالواقع أيضا. أفلام على درجة مذهلة من التقنية الحديثة الموظفة لخدمة أفكار في غاية العمق والأهمية. بطل الفيلم هو الرائع، المنتظر للأوسكار، ليوناردو ديكابريو، الذي يقدم فيلمه الثاني في موسم 2010 بعد فيلم SHUTTER ISLAND. الفيلم يقوم على فكرة أساسية وهي فكرة العيش في الأحلام، فمنذ القدم والإنسان يفكر في الأحلام على أساس أنها جزء أصيل من حياته، بل إن هناك أناسا كثيرين يعيشون في الأحلام، وربما يجدون فيها العزاء عن صعوبات حياة الواقع. لكن ماذا لو تحولت لحظات العزاء هذه إلى أن تسيطر على حياة الإنسان كلها؟ أي ماذا لو عاش الإنسان في الأحلام أكثر من الواقع؟ وماذا لو لم يستطع التفريق بين الحلم والواقع واختلطت عليه الأمور؟ يرى الكثير من الأطباء النفسيين أن هذه حالة مرضية تستوجب العلاج. الفيلم لن يأخذ هذا الاتجاه، بل سيتحرك في اتجاه مجموعة من المهتمين بهذه القضايا يخترعون جهازا يستطيعون من خلاله تصميم حلم والانتقال للعيش فيه. والأخطر من هذا كله أنهم يستطيعون إخضاع أشخاص آخرين لهذا الجهاز ونقلهم للأحلام المصنعة سلفا. هنا تحضر عبقرية المخرج Nolan لينتج تركيبته الرائعة المكونة من فكرة خيالية جامحة، وفي ذات الوقت لها جذر قوي في الأرض وتقدم من خلال تقنية على أعلى المستويات وحوارات على درجة عالية من العمق والتأثير. من الملاحظ هنا في ما يخص البطل ديكابريو أن كل عمله السابق لهذا العمل له فكرة أساسية متقاربة. ففي (شاتر آيلاند) نحن أمام بطل يزور مصحة عقلية شبيهة بالمعتقل البوليس، ولا نعلم في النهاية هل هو محقق قدم لكشف الحقائق أم أنه أحد المرضى القادمين للعلاج؟ إذن الفيلم يدور في إطار الخيال والواقع أيضا، فهل اختار ديكابريو القيام بهذين العملين في ذات الوقت لاشتراكهما في ذات الأجواء مما يوفر له التركيز والحفاظ على الحالة الذهنية المناسبة لأداء هذه الأدوار؟ طبعا من المتوقع جدا هذا التنسيق، خصوصا من نجم لديه حتى الآن 24 عملا مستقبليا يستعد لأدائها. وكما هو حال الاحتراف الحقيقي في السينما الأمريكية فإن كل بطل يحيط به فريق عمل ضخم متنوع ومتعدد المواهب يسعى للوصول لأعلى مرحلة ممكنة من النجاح، وفي النهاية المشاهد هو الرابح الأكبر.
هذا الفيلم يعيد سؤال الحلم والواقع، الخيال والشروط الطبيعية. هذا السؤال محوري في الفلسفة، خصوصا مع تنامي القدرة الإنسانية على خلق الأحداث. بمعنى تنامي قدرة الإنسان في عالم الإعلام والتقنية الحديثة على التحكّم في الطبيعة التي تخرج بها الأحداث للناس. بمعنى أننا أصبحنا مع مخرجين للواقع. في تسعينيات القرن الماضي كتب الفيلسوف الفرنسي بوديريارد ثلاث مقالات بعنوان حرب الخليج لم تقع. كان بوديريارد يفكّر في أن غالب العالم شاهدوا الحرب عبر قناة CNN. المشهد الذي بثته هذه القناة كان من إخراجها ورؤيتها، لذا فقد شاهد الناس فيلما وهم يشاهدون أحد أكبر الأحداث واقعية في تاريخهم. الفاصل بين الواقع والخيال هنا أصبح أكثر ضبابية ومراوغة. لنلاحظ هنا أن إخراج الواقع لا يتأثر فقط بميولات المخرجين الأيديولوجية، بل هو محكوم أيضا بطبيعة العمل وهو مسرحة الحدث. المخرج لا بد أن يصنع عملا مسرحيا، عملا سينمائيا، عملا يغادر به الواقع إلى ساحة العمل الفني الجمالي. هذه النقلة هي من صميم العمل الفني وسيصعب تخيّل وجوده بدونها، ولذا فإن كل حدث "واقعي" منقول على الهواء مباشرة هو حدث يتم إخراجه ومسرحته من عارضيه. هل نشاهد الواقع أن حلم المخرج؟ هل نعيش التجربة مباشرة أم نعيشها في خيال حالم ما؟ هذا هو السؤال الذي يتركنا