عندما نشر كل من البروفيسور جون ميرشيماير والبروفيسور ستيفن والت كتاب "اللوبي الإسرائيلي والسياسة الأميركية الخارجية"، الذي كشف حقيقة سلطة النخبة الصهيونية على السياسة الخارجية الأميركية والأمن القومي الأميركي، صُعقت المؤسسة السياسية الأميركية لأن الأستاذين الجامعيين البارزين من جامعتين أميركيتين شهيرتين، خاطرا بمستقبلهما المهني لقول الحقيقة علنا حول سطوة الصهيونية.

الآن، نُشر كتاب جديد يتجاوز حدود ما كشفه ميرشيماير ووالت، وتسبب ذلك بقيام عاصفة نارية أكبر. ماكس بلومنثال، ابن مستشار الحزب الديموقراطي والكاتب المعروف سيدني بلومنثال، قضى أربع سنوات يعيش ويتجول في كافة أرجاء إسرائيل والأراضي المحتلة. الكتاب يسبب موجات أكبر من الكتاب السابق. في 2 ديسمبر، حضرت بعض الشخصيات المحترمة والناجحة في واشنطن حدثا حضره الكثيرون الذين امتلأت بهم قاعة نادي الصحافة الوطني لسماع محاضرة بلومنثال.

كتاب بلومنثال عن الحياة داخل إسرائيل، واسمه "جالوت: الحياة والاشمئزاز في إسرائيل الكبرى"، يرسم صورة حية لمجتمع منقسم بعمق بين الظالم والمظلوم كما كانت حال جنوب أفريقيا خلال أسوأ نظام فصل عنصري. إنه فهرس للجرائم ضد السكان العرب الفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل، والأراضي المحتلة، وقطاع غزة المحاصر.

قضى بلومنثال أربع سنوات يعيش في إسرائيل ويسافر إلى داخل وخارج الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة المحاصر. أجرى لقاءات مع بعض أعضاء الكنيست اليمينيين ورسم صورة تفصيلية لجدول العمل التشريعي الذي يفرض نظام فصل عنصري كامل على السكان العرب في إسرائيل، ويبرر توسعة المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية بحيث لا يمكن تطبيق حل الدولتين بشكل فعلي مستدام في المستقبل. ما كشف عنه بلومنثال ويسبب المزيد من القلق هو أن بعض أعضاء الكنيست الصهاينة "الليبراليين" يصوتون الآن مع اليمينيين المتطرفين لفرض نظام الفصل العنصري.

كتاب "جالوت" إدانة قوية بشكل خاص لأنه شخصي إلى حد كبير. بلومنثال قضى الكثير من وقته يجري لقاءات مع مواطنين إسرائيليين عاديين، بما في ذلك إسرائيليين عرب، وروى حكاياتهم الخاصة، مقدما جولة تفصيلية لحقيقة الحياة داخل إسرائيل. في أحد الفصول المزعجة فعلا بعنوان "معسكر العشاق"، وصف حياً سكنياً تابعا لبلدية القدس اسمه "كفر عقاب"، والحي مصنف على أنه يقع ضمن "المنطقة C" أي أنه تحت السلطة الإسرائيلية الكاملة بحسب اتفاقيات أوسلو. المنطقة هي عبارة عن "غيتو" عربي متاخمة لجدار الفصل الذي يفصل عمليا القدس عن الضفة الغربية، بما يضمن أنه لن تكون القدس أبدا عاصمة للدولة الفلسطينية كما تنص جميع اتفاقيات الأمم المتحدة.

في إحدى القصص في فصل "معسكر العشاق"، تتحدث الناشطة الجامعية الفلسطينية، التي دخلت السجون الإسرائيلية عدة مرات، عن الحياة في كفر عقاب. ديالا ولدت في القدس ولذلك فهي تتمتع بوضع فريد بأن لديها إقامة في إسرائيل وتحمل الجنسية الأردنية في نفس الوقت. تحت سياسة إسرائيلية غريبة وقمعية اسمها "مركز الحياة"، سيتم سحب الجنسية الإسرائيلية من ديالا إذا انتقلت إلى خارج القدس أو حتى قضت فترة من الوقت للدراسة في الخارج. كفر عقاب هي الحي الوحيد الآن في القدس تستطيع أن تعيش فيه مع زوجها، وهو من سكان الضفة الغربية لذلك لا يسمح له بالعيش في أي مكان آخر داخل إسرائيل.

وفقا لسياسة "مركز الحياة" هذه، لا يتمتع الفلسطيني الذي يعيش في القدس الشرقية بحق التصويت، وهم "لا – أشخاص"، وتم تصنيفهم بهذا الشكل للحفاظ على التوازن الديمغرافي في القدس لصالح اليهود و"الدولة اليهودية".

بلومنثال يبين أن حي كفر عقاب، الذي كان مزدهرا في يوم من الأيام، تحول الآن إلى غيتو. يدفع السكان حوالي 1000 دولار شهريا كضرائب محلية، لكن المنطقة ليس فيها عمال نظافة، ولا خدمات إطفاء أو شرطة، وليس فيها إشارات مرور ضوئية تعمل. رائحة القمامة النتنة في كل مكان، والسكان المحليون لا يستطيعون الحصول على تصاريح لبناء منازل جديدة أو حتى تعديل المنازل التي يعيشون فيها. المنطقة يُشار إليها بسخرية على أنها "معسكر العشاق" لأن جميع سكانها تقريبا هم أزواج، حيث يكون الزوج أو الزوجة من سكان القدس والطرف الآخر من الضفة الغربية.

عندما تحدث بلومنثال في نادي الصحافة الوطني في واشنطن أمام مئات من المتعاطفين مع وجهة نظره، ألقى نظرة قبل أن يبدأ على الحضور ليرى إن كان هناك أي شخص يمكن أن يسبب المتاعب ويقاطع المحاضرة من منظمة إيباك أو غيرها. لكن ما يثير القلق أكثر من الاحتجاجات العنيفة في الأماكن التي يلقي فيها المحاضرات هو تجاهل أجهزة الإعلام الليبرالية بكثافة لمحاضراته، حتى بنسبة أكبر مما حدث مع دراسة والت وميرشيماير.

هل يضع بلومنثال أي "نهاية سعيدة" محتملة لكتابه عن الحياة في إسرائيل؟ من المفارقات أن الفصل الأخير في الكتاب، وعنوانه "حزب النزوح"، يقدم خيارا متفائلا. هذا الجزء من الكتاب يسرد حكاية حزب يدعو لمغادرة إسرائيل لناشط سلام إسرائيلي يهودي، إدو إم، الذي سيغادر البلد الذي ولد فيه. إدو يفسر ما ينوي فعله للكاتب بلومنثال قائلا "حسنا، كما تستطيع أن ترى، لاحظت أنني لم أعد أستطيع التحدث مع أي شخص، ليس لدي الكثير من الأصدقاء في إسرائيل. لم يعد لي مكان في هذا البلد. لقد أصبح بلدا فاشيا وانتهى الأمر. لذلك قررت أن أفضل شيء هو أن أتابع الكفاح من الخارج.... سيكون عليّ أن أنتظر إلى أن تصبح إسرائيل مجنونة، وترتكب مجزرة كبيرة لدرجة تجعل العالم كله سيرى أخيرا حقيقة إسرائيل".