ذكرت دراسة كندية أجريت في جامعة "ماكجيل" بمونتريال، ونشرتها بعض المواقع منذ بضعة أشهر، أن السنوات بين السادسة والثامنة من العمر تُعد فترة حساسة عندما يتفاعل التدريب على العزف الموسيقي مع التطور الطبيعي للدماغ. وبحسب ما جاء فيها أن تعلم العزف على الآلات الموسيقية قبل سن السابعة له تأثير كبير على تطور الدماغ وتقوية الذاكرة، حيث "تعلم العزف على آلة موسيقية يتطلب تنسيقا بين حركة اليدين والمحفزات البصرية والسمعية، وأن التدريب على آلة موسيقية قبل السابعة يعزز على الأرجح النضج الطبيعي للموصلات العصبية بين مناطق الحركة والإحساس في الدماغ"، بحسب ما ذكرته الدراسة، وطبعا يضاف ذلك إلى العديد من الأبحاث التي أثبتت أهمية الموسيقى لتطوير الدماغ عند الأطفال وتعزيز التوازن الوجداني والنفسي لدى المراهقين، فللموسيقى قدرة لجعل الإنسان مسيطرا على ضبط انفعالاته المتشنجة، ولذلك نصح العديد من الدراسات بأن يتم تدريسها للأطفال في المدارس، لما لها من تأثير إيجابي على سلوكياتهم لتجعلها أكثر توازنا، وكثيرة الأبحاث التي تتحدث عن أهمية الموسيقى في استخدامها كوسيلة علاجية للمرضى النفسيين، وإن كان ما اكتشفه الباحثون الغرب اليوم في دراساتهم قد سبقهم إليه العالم المسلم الفيلسوف والطبيب أبو بكر الرازي الذي استخدمها في علاج مرضاه بعد اكتشافه التأثير الفاعل في نفسياتهم.

وهنا أتساءل وبكل صراحة: إلى متى يتم إهمال تدريس الموسيقى للطلاب والطالبات في المدارس؟ لقد طرحت ذلك منذ عام 2004 عبر أحد المؤتمرات الثقافية، وكتبتُ عدة مرات في هذا الموضوع، بداية منذ عام 2008 هنا في "كلاكيتيات" بـ"الوطن"، تحت عنوان "حصة مدرسية للموسيقى.. لمَ لا؟" واليوم أكتب هذه المقالة تحت هذا العنوان، فإلى متى يتم تهميشها أو إهمالها من قبل وزارة التربية والتعليم ؟! وإلى متى تستمر هذه الازدواجية في المعايير التي أدت إلى وجود شخصيات مزدوجة في الكثير من أبنائنا وبناتنا، فالموسيقى التي تتجاهلها وزارة التربية في المناهج والأنشطة الطلابية وحتى في النشيد الوطني المدرسي، يجدها ذات الطلاب والطالبات فور خروجهم من مدارسهم عبر إعلامنا المحلي وفي مهرجاناتنا الوطنية، مما يثير الاستغراب.. فعلا هو هذا التناقض في مواقف جهات حكومية في دولة واحدة!

إن الموسيقى مثلها مثل مادة التربية الفنية والرياضية، ولا يمكن أن يتم تجاهلها في المناهج الدراسية، وللعلم فإن ذلك ليس بأمر جديد، فقد كان عدد من المدارس السعودية عند تأسيس التعليم الرسمي تحوي ضمن حصصها حصة لتعليم الموسيقى، ومدرسة الثغر في جدة إحداها، وقد حدثني عن هذه المرحلة عدة أشخاص درسوا الموسيقى فيها، إلى أن جاء أمر بمنع تدريسها، هذا يعني أن تدريس الموسيقى ليس أمرا جديدا، وكل ما في الأمر هو تصحيح الموقف المغلوط منها بإعادة تدريسها من جديد، فهؤلاء المراهقون اليوم يحتاجون أن تتربى ذائقتهم على الكلاسيكيات الراقية لتربية الإحساس بالجمال في الكلمة واللحن وروح الأشياء حولهم، ولتكن حصة الموسيقى المدرسية اختيارية، ولكن من المهم عدم تجاهلها وهذا الكم الهائل من الدراسات والأبحاث التربوية.