تتوهج رائحة الأرض في جدائلها، وتتخذ هيئة امرأة حين تنحني لسحابة عابرة، أو تصغي لثرثرة غدير يهمس تحت عباءتها.. سلالتها مدونة في بطن التراب منذ آلاف السنوات. لم تكتهل حتى لو اكتهل الزمان، تضيء مناسك الجبال وأحشاء الفصول وما وراء المدى. في النهار تقرأ على العصافير كلماتها الطازجة من دفاتر المطر، وفي المساء تغمر سجادة العشب بما ينث من بدنها الأخضر.. هي شجرة مستأنسة وعتيقة تبادلك الحب والعشق والذاكرة، تئن من الوجع كالمحموم، وتفرح كالمخلوق البريء حين يطلقه سجانه، بينها وبين البشر في جبال عسير مثل ما بين الطفل وحجر أمه، وما بين الغناء الطروب وشبابة الراعي.. ألم يقل "الهمداني" قبل ألف عام في: "صفة جزيرة العرب"، وهو يتحدث عن نباتات عسير بأنهم لا يترددون عن تسمية أبنائهم وبناتهم بما يعرفونه من أشجارهم وعضاتهم "كطلحة وسمرة وقتادة وعلقمة وحدقة وشبرمة وطرفة"؟ ولكنها اليوم "أي شجرة العرعر" تقف عارية القدمين، مكسورة الخاطر كوجه أرملة قتلها اليأس والوحشة الباردة، فأوراقها ملتصقة بالتراب، وغصونها مثخنة بالوباء، وسيقانها يأكلها الدود ويباس الحشرجة.. بحثت في مصنفات الاعتبارات الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، والمخططات الهيكلية والرؤية والأهداف الاستراتيجية للسياحة في منطقة عسير، عن فصل أو إشارة أو دراسة أو توصية بالتعاون مع الوزارات والهيئات لتقييم الحالة المتفاقمة والمتدهورة للغابات الطبيعية، والغطاء النباتي في المنطقة، فلم أجد ما يبعث على الاطمئنان ويشعرني بالمسرة، وخاصة بعد قراءتي لذلك التقرير الكئيب الذي نشرته صحيفة: "آفاق" الصادرة من جامعة الملك خالد، وتحدث فيه الدكتور عصام الدين وراق من مركز الأمير سلطان بن عبدالعزيز للدراسات والبحوث البيئية والسياحية، ناعيا 50% من أشجار العرعر في عسير، بعد إصابتها بمرض ووباء "الموت القمي" أو الموت التراجعي، رغم أنه يمثل ـ أي العرعر ـ 95% من الغطاء الشجري في المناطق المرتفعة، وحيث يبدأ الموت بتغير لون الأوراق الإبرية من الأخضر إلى البني، ثم تساقطها نتيجة لعوامل إجهادية كالشيخوخة والفطريات، والتغيرات المناخية وانجراف التربة ودمار المساطب. ودعا البحث إلى المزيد من الدراسات واقتراح معالجات إضافية تحد من ظاهرة الموت القمي والحد منها، وذلك بتضافر الجهود بين الجهات التنفيذية والبحثية، فشجرة العرعر أسهمت في تشكيل المجتمعات الحيوية وبيئة الغابات الطبيعية، وفقدانها يمثل فقدانا لقاعدة وراثية ضخمة، لأنها تشكل أمناً بيئياً للأجيال القادمة، وسوف يؤثر غيابها على النظم الشجرية وعلى السياحة في منطقة عسير. وتمنى الباحث أن تقوم جامعة الملك خالد بإجراء البحوث والدراسات وإشراك المجتمعات المحلية، للمحافظة على هذا الإرث الوطني والتنوع الإحيائي في منطقة عسير.