شهدت المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين، وفي السنوات الست الماضية، طفرةَ تشريعات نظامية متسارعة، جاءت والبلد في أمسّ الحاجة لها، وكلما صدر نظام استبشر به الجميع كونه سوف يسهم في تطوير تنظيم الشأن الذي صدر بصدده، ولكن بعد ذلك؛ قد يقع أحيانا تعطيل للنظام ولا يُنفذ أو قد يُعطل، فما السبب من وراء تلك الحالات؟ ومن المتسبب في ذلك؟
الحقيقة أن الجواب له جوانب كثيرة، وهناك الكثير من الأسباب المجتمعة التي تؤدي إلى نتيجة تصبح فيها الأنظمة شبه معطّلة!
قد يحصل تعطيل للنظام بإهماله أو التأخر في تطبيقه مثلا، وهذا ربما يكون قليلا إلا أنه موجود، فنجد مثلا نظام الهيئة العامة للولاية على أموال القاصرين ومن في حكمهم الذي صدر عام 1427هـ، هذا النظام الذي يخص قطاعا شديد الأهمية والكثير من القاصرين من يتامى وناقصي الأهلية ومن في حكمهم يعانون أشد المعاناة من ضياع حقوقهم، هذه الهيئة تابعة لوزارة العدل وللأسف حتى يومنا هذا (أي بعد ثمان سنوات) لم تعمل هذه الهيئة! بالرغم من أن حفظ العدل والتأكد من سلامته والبحث عن كل ما يعيق العدل هو أهم اختصاصات وزارة العدل، خاصة أنه قد صدر نظام في ذلك. هذا التأخر في تفعيل النظام لا نعرف أسبابه، وقد يكون له مبررات، ولكن يعتقد الكثير أن ثمان سنوات مدة كافية لإزالة كل العوائق.
وهناك حالات أخرى تُعطل فيها بعض المواد من الأنظمة، والكثير من الناس خاصة غير المتخصصين يجهلون حقوقهم وتضيع بعضها للأسف! وعلى سبيل المثال، وفي إحدى اللجان شبه القضائية التي يفترض فيها العدل وتطبيق النظام قبل غيرها، وفي حالة وقفت عليها بنفسي؛ أنها وللأسف أخذت تستخدم سلطتها لأجل الضغط على المدعى عليه كي يسحب استئنافه على حكمهم، بالرغم من أن النظام يؤكد حق الاستئناف وهو أحد الحقوق الأساسية لكل مواطن، وبالرغم من أن تصرفهم هذا يعتبر إساءة إلى استخدام السلطة مما يعرضهم للمساءلة أيضا! ولم تحل المشكلة إلا بعد مراجعتهم وتذكيرهم بالمواد والحقوق النظامية مما أدى إلى تراجعهم أخيرا!
وكثيرا ما يكون تعطيل الأنظمة من خلال التفسيرات أو اللوائح غير المبنية على شكل علمي صحيح، وللأسف يحصل هذا خاصة في اللوائح التنفيذية أحيانا، بل وقع أن تعارضت صياغة اللائحة والنظام الذي يحكمها نفسه! والتي يجب ألّا تتعارض معه كونه أعلى درجة قانونية منها؛ فمثلا في نظام التنفيذ وبعد أن فرح الناس به ليحل الكثير من مشاكلهم العالقة، إلا أن اللائحة التنفيذية للنظام (المادة 98) قيّدت النظام بما استجد من القضايا، بمعنى أن تلك القضايا السابقة يستمر نظام المرافعات السابق لينطبق عليها، بالرغم من أن نظام التنفيذ قبلها بثلاث مواد فقط (مادة 96)؛ قد ألغى جميع مواد التنفيذ في نظام المرافعات السابق! وهذا الخطأ غير المغتفر في صياغة اللائحة مستمر حتى اليوم ولم يُعدّل، بالرغم من كثرة المختصين الذين كتبوا فيه، من بينهم هيئة الخبراء فيما أذكر! بخلاف ما حصل من تعديل اللائحة التنفيذية لنظام المحاماة التي تم تعديلها في أيام بعد القضية التي نشبت بين الوزارة وبعض المحامين (صدرت عام 1423هـ ولم تُعدل منذ ذلك التاريخ)، والتي قد يفهم منها البعض أنها توسِّع صلاحيات الوزارة تجاه المحامين، وياليت هذه السرعة في تعديل اللوائح تستمر في الجوانب التي تمس حاجات المواطن.
هناك إشكالات كثيرة في تفسير وزارة العدل لنظام التنفيذ؛ مما أدى إلى نشوب اختلاف مع وزارة التجارة فيما يتعلق بأحكام لجنة الفصل في منازعات الأوراق التجارية أيضا، وللأسف أن وزارة العدل تصر على تفسير النظام بطريقة مخالفة للقواعد القانونية المعروفة في نظري، وبشكل لا يخدم مصلحة المواطن الذي تعطلت مصالحه، بينما الأوراق تدور بين الوزارتين.
وقد يكون تعطيل النظام من خلال تعطيل الأحكام التي يصدرها ديوان المظالم ضد بعض الجهات الرسمية، بالرغم من إلزامية الحكم، فإن بعض تلك الأحكام يُعطل أو يتأخر كثيرا تنفيذُها بسبب إهمال مسؤول مثلا، بالرغم من صدور حكم قضائي ملزم لها، وللأسف أن نظام التنفيذ لم يعالج هذا الجانب الذي يشتكي منه الكثير، ولذلك فإن العناية بصياغة الأنظمة تساهم بشكل كبير في تعزيز الحقوق أو ضياع بعضها.
هدف الكتابة في هذا الموضوع هو تجاوز تلك الإشكالات، وربما إيجاد ضمانات قانونية لتجاوزها، وكم من مشكلات لها حلول ومعالجات قانونية جذرية؛ إلا أن الكثير لم يعتد البحث من خلال الاستشارة للمختصين من المستشارين القانونيين، وإلا فبالتأكيد أن الهدف هو خدمة البلد على أكمل وجه، ولكن قد يفوت أن المعالجة القانونية هي الحل في كثير من مشاكلنا.