في أول معرض دولي للكتاب في المملكة اقترح عليّ الصديق عبدالرحمن موكلي، أن أرافقه مع مجموعة مثقفين تلقوا دعوة على الغداء من السفير اليمني محمد علي محسن، الذي أرسل سيارات السفارة لتنتظر المدعوين خارج فندق الإنتركونتننتال. تعودت أن أقبل اقتراحا من الموكلي وأرفض آخر.
لدي عقدة من المجتمع الدبلوماسي ومن السفراء خصوصا منذ ربع قرن حين حانت صلاة الظهر وأنا في إحدى سفاراتنا في الخارج، المصلى غرفة صغيرة بها صفان فقط وجلست في فراغ واسع بالصف الأول، وحين أرادوا إقامة الصلاة طلب مني أحد موظفي السفارة أن أرجع للصف الثاني لأن هذا الفراغ مخصص للسفير وعلى يمينه القنصل، فاستجبت للبروتوكول!
المهم ما علينا، حرص السفير اليمني على أن يحتفظ بأرقام هواتف الجميع، وتعوّد وعوّدنا على أن يتصل كل يوم جمعة للسؤال عن الأحوال.
لا يمرّ بالرياض مسؤول أو مثقف يمني إلا ويحرص السفير على دعوة كل معارفه المثقفين السعوديين القاطنين بالرياض. ولا تمرّ مناسبة له أو لأحدنا إلا واحتفل به في منزله بالسفارة وسط لفيف من أصدقائه، وصار بيته مجمعا أسبوعيا لما تيسر منا وممن يصادف وجوده من الرموز اليمنية، ويقوم على خدمتهم بنفسه، ويزورهم كلما سنحت الفرصة في بيوتهم في مختلف مناطق المملكة.
كان حريصا على توثيق العلاقات الدبلوماسية والثقافية والفنية والإنسانية بين الشعبين، وسعى بلا كلل في تنفيذ الأيام الثقافية المتبادلة بين بلدنا واليمن.
قبل فترة انقطعت اتصالاته الأسبوعية، وكل التلفونات التي نطلبه فيها مقفلة، وآخر اتصال منه كان في بداية أحداث اليمن ولاحظنا أنه موجوع ومجروح. ثم انقطعت الاتصالات منه وبه.
قبل أسبوع علمت أن السفير يرقد في التخصصي بعد سفرة طويلة للعلاج خارج المملكة، وبعد يومين علمت بخبر وفاته.
لا أكتب عنه اليوم لأنه صديق - وهو يستحق - وإنما، وقبل ذلك، لأنه سفير كما يجب، استقامةً وإخلاصاً وحبًّا لبلده وبلدنا، سفير لم تجعل منه مكانته الاجتماعية والدبلوماسية رجلاً غير ما هو عليه، بشيمته وبطبيعته اليمنية في أجمل صورها.
أسأل الله أن يرحمه ويغفر له ويخلف على أهله وبلده بخير، ويكثر من أمثاله بين السفراء.