في 9 ديسمبر، في مقر البنك العالمي في واشنطن، شارك الدكتور شداد العتيلي، رئيس سلطة المياه الفلسطينية، في مراسم توقيع ثلاثية الأطراف لمشروع إنشاء قناة البحر الأحمر-الميت –وهي قناة بطول 180 كيلومترا تقوم بنقل المياه المالحة من البحر الأحمر، خلال الأراضي الأردنية إلى البحر الميت الذي تتقلص كمية المالحة فيه بنسبة متر في كل عام. الاتفاقية التي استغرقت أكثر من عقد لإتمامها، وتوقيع فلسطين والأردن وإسرائيل عليها، حيث تم الاعتراف بالفلسطينيين كشريك يتمتع بحقوق قانونية كاملة بحسب القانون الدولي، نقطة تضاف إلى النضال من أجل السيادة الفلسطينية.
قناة البحر الأحمر-الميت هي أحد أهم مشاريع توفير المياه في أراض جافة، والدكتور العتيلي متحدث بليغ وشديد التفاني لجعل ذلك الحلم حقيقة للدولة الفلسطينية.
الدكتور عتيلي قال في مقابلة له في واشنطن في 2007: "نحن نقول إن حل الصراع على المياه بين إٍسرائيل والفلسطينيين ضرورة ملحة من أجل توفير المياه للدولة الفلسطينية. بدون مياه، لا نستطيع في الواقع أن نبني الدولة. لا يمكن أن تكون لدينا زراعة متينة متطورة اقتصاديا. نحن نحتاج إلى المياه من أجل الزراعة؛ نحتاج المياه لاستيعاب العائدين إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية. نحتاج المياه لمعالجة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة. علاوة على ذلك، نحن نحتاج إلى حقوقنا المشروعة في المياه. لهذا نعتقد أنه بدون المياه لا يمكن أن تكون هناك مطلقا دولة قائمة قابلة للحياة".
على مدى عقد من الزمن تقريباً، كان الدكتور العتيلي منشغلا في مفاوضات مكثفة حول مشروع قناة البحر الأحمر-الميت، وكان يقاتل طوال الوقت من أجل أن يُعامل الفلسطينيون كشركاء على قدم المساواة لهم نفس الحقوق. بحسب الاتفاقية، سيمول البنك الدولي خط أنابيب المياه بكلفة 5 مليارات دولار في صناديق استثمارية، وسيستغرق تنفيذ المشروع خمس سنوات تقريبا.
في 2007، التقيت مع الدكتور العتيلي وتناقشت معه على مدى عدة ساعات بعد محاضرته اللامعة في مركز فلسطين في واشنطن، حيث شرح لي مشاريع المياه المتعددة الضرورية لفلسطين. في 2005، تم تعيينه رئيسا للوفد الفلسطيني في اللجنة التوجيهية لدراسة إمكانية إنشاء قناة الأحمر-الميت، وهي دراسة استمرت سنتين وحدها.
قال لي الدكتور العتيلي إن المفاوضات حول قناة الأحمر-الميت كانت صعبة للغاية منذ البداية. "الفلسطينيون شاركوا في هذا لأنهم يشتركون في شاطئ البحر الميت، الذي يشكل جزءا من حوض نهر الأردن. بحسب القانون الدولي، لا يستطيع أحد أن يفعل شيئا دون موافقة الآخرين جميعا". وأضاف: "في البداية، لم يتم ضم الفلسطينيين إلى المشروع. لكن الأردن وإسرائيل لاحظا أنهما لا يستطيعان الاستمرار في مثل هذا المشروع، الذي يحتاج إلى تمويل ضخم -نحن نتحدث عن 5 مليارات دولار- توسط البنك الدولي بين الأطراف، وتم التواصل مع الفلسطينيين للاتفاق على التسميات، وبعد ذلك يتم التعامل مع الفلسطينيين على قدم المساواة –مثل الأردنيين والإسرائيليين. بقينا نتفاوض على مصطلحات التسميات حتى وصلنا إلى لغة تقول إننا شركاء على قدم المساواة في هذا المشروع –المساواة التي منحنا إياها القانون الدولي. بعد ذلك تفاوضنا على كل جملة ذات صلة".
بحسب الخطة المتفق عليها في 9 ديسمبر، على طول خط الأنابيب، سيتم إنشاء مصنعين لتحلية المياه الصالحة للاستهلاك البشري. سيتم سحب المياه من خليج العقبة وضخها عبر الأنابيب إلى البحر الميت. سيتم إنشاء مصنع تحلية مياه في العقبة بالأردن. من خلال سلسلة من الاتفاقيات الثلاثية، سيبيع الأردن مياه البحر الأحمر المحلاة لإسرائيل، وسيتم استخدام هذه المياه لزيادة موارد المياه التي تبيعها إسرائيل للفلسطينيين. في المقابل، ستقدم إسرائيل مياها عذبة للأردن من بحر الجليل في الشمال. التدفق المستمر للمياه من البحر الأحمر سيتجه شمالا إلى البحر الميت الذي انخفض مستواه من 390 مترا في 1960 إلى 420 مترا تحت مستوى سطح البحر في عام 2000. إذا لم يتم حل المشكلة، فيمكن أن يجف البحر الميت تماما.
لكن هذا المشروع يجب أن يكون البداية فقط، لأن أزمة المياه هي قضية حياة أو موت، خاصة في قطاع غزة.
الدكتور العتيلي صرح لمجلة إكزيكيوتيف إنتيليجنس ريفيو التي تصدر من واشنطن بأنه: "في غزة، لدينا 1.5 مليون فلسطيني يعيشون على مساحة 365 كيلومترا مربعا، وهذا يعني أن حوالي 5000 شخص في كل كيلومتر مربع. هذا يجعل غزة إحدى أكثر المناطق كثافة سكانية في العالم. وهؤلاء يعتمدون على المياه الجوفية التي توفر لهم 50 مليون متر مكعب فقط من المياه".
لكن سكان غزة يستخدمون 160 مليون متر مكعب لأنهم ليس لديهم موارد بديلة، ويقول الدكتور العتيلي إن النقص يتم استكماله من 110 ملايين متر مكعب من إدخال مياه البحر يوميا، مما يجعل المياه مالحة وشبه مالحة. علاوة على ذلك، ليست لدينا معامل لمعالجة الصرف الصحي، فتعود المياه الآسنة وغير المعالجة مرة أخرى إلى المياه الجوفية بمعدل 50 مليون متر مكعب.
"لذلك فإن ما يشربه الناس بشكل أساسي في غزة هو مياه تتألف من: 50 مليون متر مكعب يتم تعويضها بشكل طبيعي عن طريق الأمطار؛ 50 مليون مخلوطة مع مياه الصرف الصحي؛ والباقي من البحر، وهذا يعني، بحسب سلطة المياه الفلسطينية، أن 80% من إجمالي مياه غزة غير صالح للاستهلاك الآدمي... لذلك فإن 60-70% من الأمراض في غزة لها علاقة بالمياه".
اليوم، الأزمة المائية في غزة هي في أسوأ أوضاعها، بحسب منظمة "التعطش للعدالة" الإنسانية.
ولكن من قلب مثل هذه الأزمات تأتي قرارات مثل اتفاقية قناة الأحمر-الميت. هناك عشرات المشاريع الأخرى المماثلة بانتظار تطبيقها.