حين نظرت من نافذة الطائرة إلى السحاب الممتد عبر الأفق، والسحب من تحتي تتراكض في الفضاء الرحب وكأنها تسابقني في العودة إلى منزلي القديم؛ راودتني أحلام الطفولة والصبا، وتوالت الذكريات على عقلي، وتذكرت حين جلب لي الوالد خروفا صغيرا، فقد كنت طفلة صغيرة فرحت بهدية طفولتها.
حين أتى موعد ذهابي للمدرسة جلست مع أمي لنصنع معا حقيبة من القماش، لأضع فيها أوراقي وقلمي الصغير، كانت سعادتي لا توصف وأنا أصنع بيدي أشيائي، وكنت أصنع لعبي الصغيرة من القماش وأزينها بما يتوافر في البيت من أصباغ أو أعواد الزرع الأخضر، أدعك بها القماش فيصطبغ شيئا فشيئا، حتى يصبح لونها يحمل رائحتي، فقد صنعتها أناملي الصغيرة حين تداعب ملامح لعبتي.
لم تكن عيناها تريان، فهما محض بقعتين من كحل أسود، وضعتا في مكان العينين.. لكنني شعرت بها تراقبني وتحادثني، كنت أقص عليها الحكايات، وكانت تسمعني حتى وإن كانت لا تحمل أذنين، كانت تسمعني بأذنيّ أنا لأنها مني، كانت ترمقني بعينيّ ومن خلالهما تراني. كنت أسمعها بقلبي، كنت أحاول أن أعلمها ما أتعلم، شاركتني وأسرتي وجبات طعامنا، وكنت أنتظر منها أن تكبر، لكنني كنت أكبر وهي ما تزال على حالتها. حين أذهب لبيتي، سأحضنها وأقص عليها ما تعلمته من درس إليوم الأول في المدرسة، وعندما قابلتها أحسست بوجداني أنها تقابلني بفرحة.. وها أنا ذي سوف أقابلها بعد مرور هذا العمر، ترى هل تتذكرني؟ هل تقابلني بنفس اللهفة الأولى؟ هل سأجدها مكان أن تركتها في صندوق ملابسي الصغير؟! هناك الكثير من الحكايات سوف أقصها عليها، وسأحاول أن أسمع منها، سأقص عليها لحظات حزني لرحيل الوالدة والوالد، أنتظر أن تربت على كتفي وتلمس شعري، أنتظر منها أن تمسح غبار الزمن من على كاهلي. سأحضنها.. إنها ملكي، صنعتها وفيها رائحتي، تحمل من نفسي سماتها؛ ملابسها من بقية ثوبي، وشعرها من خصلاتي، مساحيق وجهها من ألواني. أتذكر حين جاء خروفي الصغير إلى البيت، كيف جلست طوال الليل أحاكيها، وأحاول أن أجعلها تأنس إليه، فهما أشيائي المحبوبة: خروفي، وعروستي، وصرنا نلعب ثلاثتنا حتى يعود أبي من صلاة العشاء لنتعشى معا ثم نمضي أنا وعروستي لننام ونتركه وحيدا لينام، كنا صغارا وكانت أحلامنا صغيرة، والآن فرقتنا الغربة والموت، سيعود اثنان منا للقاء، ولكن خروفنا الصغير قضى نحبه من زمن فات، من الذي أكله؟ أكله وحش لا أعرفه قفز إلى غرفته والتهمه، لأن منزلنا على شفا جبال السراة، أحكي لعروستي.. وأحسست بالخوف يبرق في عينيها مثل البرق على الجبل المحيط بقريتنا.. أخذتها بين أحضاني وتدثرنا بغطاء صنعته أمي أيامها من فروة خرفان سالفة الذبح، ليس منها خروفي، ومر الوقت ثقيلا على كلتينا، كنت صغيرة وكانت أحلامي صغيرة.
في الصباح، تطعمني أمي خبزا ساخنا صنعته بيديها، ولبنا "صابحا" حلبته بيديها وتساعدني في ارتداء ملابس حاكتها يداها.. كان الشعور بالفخر يداهمني وأنا أذهب للمدرسة صباحا رغم برودة الطقس، ورائحة المسك ما زالت تضمّخ أنفي.. كان أبي يتعطر بالمسك قبل خروجه لعمله، كانت رائحته نفاذة، فقد كان أبي حين يقبلني في جبيني تلتصق بي ذرات العطر المحلي حتى إني كنت أخشى أن أغسل وجهي حتى أعود للبيت، كالقطة التي تتمسح بي حتى تلصق رائحتها بي فلا تقترب مني قطة أخرى، كان أبي كلما ذهب إلى عمله وعاد يحضر لي حلوى من السكر، رغم أنني لم أكن جائعة، فقد كنت أفطر برا وعسلا.. كنا نجلب العسل من الجبل المجاور، أو حتى من نساء القرية، أما البُر فكانت تطحنه أيدينا من حبوب القمح المزروع في بلدتنا، لم نكن نشتري الخبز ولا العسل ولا الدقيق الجاهز، لم نعرف الحقائب الجلدية بماركاتها العالمية، لم نكن نشتري الحليب المعلب، كان طعم الحليب المحلوب بأيدي جدتي ينساب حلاوة لجوفي؛ ورائحة الخبز والفول تزكم أنفي؛ وعصيدة أمي التي علمتني عملها، ترى هل أجد هذه الأشياء حين أعود؟ هل أجد أحلامي الصغيرة التي عايشتها مع عروستي؟ هل أجد عروستي نفسها في مكانها؟
حين لامست عجلات الطائرة أرض المطار أحسست بهذا الحنين للأرض وتراب الوطن، وركبت السيارة وذهبت لهذا البيت القديم.. فيه كانت غرفتي الصغيرة مع عروستي الصغيرة قبل أن تهديني أمي شقيقتي الصغرى لألعب معها. ونسيت عروستي أو تناسيتها ووضعتها في صندوق ملابسي الصغيرة، أتمنى ألا يعبث بها أحد أبناء إخوتي. وصلت لبيت الأسرة وبعد سلامي على الجميع، أطفال كثر من حولي، تذكرت طفلتي الصغيرة التي صنعتها بيدي في الصندوق الصغير الذي صنعته أمي في غرفتي الصغيرة التي بناها أبي بيديه، وسريري الخشبي الذي ثبتنا أخشابه بأيدينا وبجانبه وضع الصندوق.
أسرعت إلى الغرفة، ألوانها صارخة، وأثاثها من الحديد والخشب المستورد، كل شيء في الغرفة مستورد، لكنني وجدت الصندوق، فهرعت إليه وفتحته.. لم أجد عروستي، طفلتي الصغيرة، بل وجدت مكانها عرائس من البلاستيك، وأقراصا مدمجة للألعاب الإلكترونية! ليس فيها من صناعة يدي أو أسرتي شيء، وعرفت الآن أن أشيائي ضاعت، فالذي لا أصنعه بيدي لا يخصني في شيء. وضاعت أشيائي..