في جمادى الأولى من عام 1424هـ أُعلنت ترقية اللواء سعيد بن عبدالله القحطاني إلى رتبة فريق، ثم تعيينه مديرا للأمن العام، قضى بعدها قرابة إحدى عشرة سنة في منصبه، مرت خلالها ربما أصعب الظروف الأمنية التي مرت بها المملكة، بدءاً من أحداث الإرهاب وانتهاء بحملة العمالة المخالفة.

أذكر في يوم تعيينه مديرا للأمن العام، وفي حديث خاص مع أحد الجيران العزيزين عليه سأله مباشرة؛ هل ستتغير علينا يا أبا طارق بعد تشريفكم بثقة ولاة الأمر؟ وكان جوابه مباشرة بأن "سعيدا هو سعيد قبل وبعد، وستكون مرحلة وستنتهي مهما طالت".

وهو حريص دائما أن يوصل هذه الرسالة لنا كأبناء له، ولا شك أن الإنسان أحيانا قد يأخذه الشيطان في لحظة ضعف، فكان كلما شعر بأدنى شيء كهذا من أحدنا يغضب أشد الغضب، ويوصينا دائما بإكرام الناس واحترامهم صغيرهم وكبيرهم. ويتعمد دائما تكرار قصة كفاحه في الصغر وصعوبة الحياة التي لاقاها في بداية نشأته، حيث درس المرحلة المتوسطة في أبها وهو في سن يقارب اثنتي عشرة سنة لوحده هو وبعض زملائه، حيث تعد أبها بعيدة عن أهله وقتها (الآن أقل من نصف ساعة ولله الحمد)، وكيف أنه عاش تلك الفترة المبكرة من سنه معتمدا على نفسه في كل شيء، واضطر هو وزملاؤه أن يسكنوا "دكانا" صغيرا مكوّنا من غرفة واحدة صغيرة ليعيشوا فيها! يكرر تلك المعاناة مع ما واكبها من صعوبات وضوائق في العيش كي يشعرنا بقيمة وقدر النعمة التي نعيشها بفضل الله تعالى ثم سياسة ولاة الأمر الحكيمة، أدام الله نعمته.

ومن الأشياء التي تعلمناها من الوالد؛ احترام العمل والجدية، إلى درجة أنني لا أذكر في حياتي أنه تغيب عن العمل ولو لمرة واحدة إلا لمرض أطاحه، وربما من الطرافة ذكرُ موقف حصل لي شخصيا عندما أصبت بمرض معدٍ في المرحلة الابتدائية، وحصلت على إجازة مرضية لمدة عشرة أيام، وكان من المهم عدم اختلاطي بالطلاب كي لا ينتشر المرض، ولكن بعد ثلاثة أيام لاحظ الوالد -حفظه الله- أنني نشطتُ، بالرغم من أن آثار المرض لا زالت ولدي إجازة مرضية، والأهم أن العدوى تنتقل في تلك الفترة بسرعة، إلا أنه أمرني بالذهاب للمدرسة لعدم قبوله للتغيب، ولكن بعد الدوام لاحظت المدرسة آثار المرض المعدي، ومباشرة اتصلوا بالبيت ليطلبوا إرسال السائق، وهذا كله من شدة حرص الوالد على الدوام والجدية في الدراسة.

منذ عرفت نفسي، بل ومنذ زواج الوالد إلى يومنا هذا؛ لم يقض عيد الأضحى مع عائلته أبدا، حيث يقضيها دائما منتدبا كأحد ضباط الأمن في الحج وخدمة الحجيج، بالرغم من أنه ممن يفضل قضاء أكثر وقت ممكن مع عائلته. وبالمناسبة؛ فهو -حفظه الله- لا يمكن أن يفصح لأبنائه عن أي شيء يخص العمل، إلى درجة أنه لا يحب حتى أن نزوره في مكتبه، فلم يحصل أبدا أن دخلت -أنا أو أيّ من الإخوان- مكتبه في الرياض طيلة 11 سنة تقريبا، بالرغم من رغبة الابن وفضوله أحيانا لزيارة والده.

ربما لا أبالغ أنه لا يمكن أن يمضي نصف ساعة دون مكالمة أو أوراق عمل في جميع الأوقات ليلا ونهارا، وتأخذنا أحيانا عاطفة الأبناء ونُلح عليه بأن يخفف على نفسه، إلا أنه يصر على إنهاء كل عمل في وقته، ولا شك أن إدارة ومتابعة سمو وزير الداخلية لها أكبر الأثر، حيث لا يكلّ الوالد من تكرار إعجابه بعمق توجيهاته وسرعة اتخاذه القرار ودقة متابعته الشديدة وفقه الله لما يرضيه.

الوالد لا يحب الظهور الإعلامي أبدا، وليس سرا أن أذكر العديد من الأوقات التي كنا نُصرّ فيها عليه بأن ينفي خبرا نُشر على لسانه أحيانا بالخطأ أو يتم تفسير كلام له بشكل خطأ، ولكنه مع ذلك يُصر على عدم الرد، ويُكرر حكمته بأن الصحيح سيعرفه الناس في النهاية.

دعائي لك والدي في مسؤوليتك الجديدة، والربّ أسأله خالصا خاضعا أن يعينك على أداء الأمانة، وخدمة الوطن والمواطن وتحقيق تطلعات ولاة الأمر.

أخيرا؛ أعتذر للقراء الكرام إذا فهموا من المقال محاولة إطراء للنفس، وأرجو ألّا يعدوا المقال سوى محاولة وفاء ابن لأبيه بجزء من فضله الكبير عليه، بالإضافة إلى التأكيد على المُثل التي تعلمتها من معلّمي وقدوتي الذي أقتدي به.

لا يعني هذا أن القصور لا يحصل، بل هو طبيعة البشر، وهو دائما يكرر الدعاء بأن يخرج من المسؤولية والأمانة ولا يكون في ذمته شيء، كما أسأل الله تعالى أن يعين خلفه أيضا عليها سعادة اللواء عثمان المحرج، وهو بإذن الله خير خلف لخير سلف، صاحب سيرة عَطِرة والكل يُثني عليه وفقه الله.