كل هذا التناول الإعلامي، والزخم في البرامج التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي لعودة نادي النصر للمنافسة وتصدر مسابقة الدوري يشير لجملة تغييرات في المزاج الشعبي السعودي العام؛ تغييرات طالت -بالإضافة إلى زخمها الرياضي والفني والإعلامي والاجتماعي- الاهتمام بالبعد السياسي الإقليمي. كان النقاش الشعبي متأججا بعد إزاحة الإخوان عن الحكم في مصر، كانت "الهاشتاقات" ذات الطابع التحريضي المرتبطة بمسائل حياتية وخدمية تسرح وتمرح حتى مع الحوادث البسيطة والتفاصيل الإجرائية اليومية، لكن بمجرد انطلاق مسابقة الدوري وانطلاق النصر معها تبدل الحال، عاد السعوديون لتفاصيلهم الخاصة، سادت الرياضة وتراجع الحماس شعبيا لمتابعة أحداث سورية وتفاعلات المشهد المصري، انشغل الجمهور الرياضي النصراوي الكبير بـ"متصدر لاتكلمني"، وانشغلت البقية معه وبه، الكل يريد التناغم مع هذا المد الجماهيري الرياضي الهائل، تخلى النخبويون من مثقفين وبيروقراطيين عن نخبويتهم باستعراض ميولهم الرياضة وانتصاراتهم لولاءاتهم الكروية، ابتكر الشعراء قصائد لدعم نجومهم الرياضيين، تبرع المطربون بأعمال غنائية جديدة لبث الحماس أو انتزاع جزء من كعكة الجمهور الهائلة، ابتلع "هاشتاق متصدر لاتكلمني" الشهير كل الأحداث واختصر المشهد الرياضي الكروي والاجتماعي كاملا، أصبح مناخا خصبا لخفة الدم والتعليقات اللماحة وابتداع أفكار جديدة لتحميس الأنصار الذين لم ينشغلوا بـ"الهاشتاق"، بل انشغلوا بكيفية الرد عليه، والذين لم ينشغلوا لا بـ"الهاشتاق" ولا بالرد عليه، انشغلوا بمراقبة ما يحدث.

انغمس النجوم الخليجيون والعرب في هذا السجال الطريف والخفيف، رياضي النزعة، سعودي الصفة، مذيعون ومذيعات، مطربون ومطربات، صحفيون، كتاب، ممثلون. خلخلت صدارة النصر كل المزاج الرتيب وأعادت الحيوية للملاحق والصحف والبرامج الرياضية المملة. تخلى ريموت السعوديين عن ملاحقة القنوات الإخبارية بنشراتها الجالبة للموت والقنوط. تبادل الشباب مقاطع الفيديو التي تلاحق هنات حكام الكرة وهفوات مساعديهم، لا صوت يعلو على صوت المعركة الكروية التي تدور رحاها في كل بيت واستراحة ومناسبة ومقر عمل. طاش السمت وعلت الضحكات والتعليقات الساخرة، أصبحت الحياة طرية قليلا وعاد السعوديون لأنفسهم بعد أن انشغلوا بالعالم سنوات طويلة.