كشفت تقارير صحفية نشرت مؤخرا، عن وجود زيادة في أعداد حالات الاشتباه بغسل الأموال في المصارف السعودية، وتتركز هذه العمليات في الأنشطة العقارية وقطاع البناء والتشييد، والأنشطة الخدمية، وقطاع الجملة والتجزئة، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، وارتفاع الأسعار، وعدم الاستقرار الاقتصادي بشكل عام.

ورغم أهمية تلك التقارير وما تضمنته من مؤشرات خطيرة حول عمليات غسل الأموال، إلا أنه لا توجد إحصائيات رسمية منشورة حول حجم هذه الظاهرة، وقد علل البعض سبب ذلك إلى صعوبة حصر القضايا الخاصة بها على حدة، حيث إن الجهات المختصة تقوم بحصر ما يتعلق بها فقط، بالإضافة إلى الطبيعة المعقدة لجرائم غسل الأموال، التي تدخل في الفساد المالي والإداري، والمتمثلة في الرشاوي والعمولات والاختلاس، بالإضافة إلى التجارة في المحرمات، التي على رأسها تجارة المخدرات.

وفي المملكة هناك عدة جهات مختصة في مكافحة عمليات غسل الأموال، كالمصارف والبنوك، ووزارة المالية ومؤسسة النقد، ووزارة الداخلية، وهيئة التحقيق والادعاء العام، بالإضافة إلى وجود العديد من التشريعات القانونية والنظامية، الأمر الذي يدعونا إلى التساؤل عن فاعلية أداء هذه الجهات، ومدى كفاءة التنسيق بينهم؟ ولتحقيق ذلك يتطلب الأمر وجود إحصائيات ومؤشرات رسمية منشورة تتسم بالمصداقية والوثوق، تتعلق بهذه الظاهرة.

ولنبدأ أولا بالبنوك التي تعد البوابة الرئيسة لعمليات غسل الأموال، حيث إن هذه العمليات تهدف في البداية إلى إيجاد مكان آمن لوضع الأموال الناتجة من الأنشطة الإجرامية أو الفساد، وإن كان البعض من المرتشين على سبيل المثال يضع الأموال "تحت البلاطة" عن طريق إخفائها في منزله إلا أنه في النهاية يضطر إلى وضع الأموال المشبوهة في النظام البنكي، وذلك عن طريق سلسلة من العمليات المصرفية بهدف تضليل أي محاولة للكشف عن المصدر الحقيقي للأموال.

وفي بعض قضايا الفساد، يتم كشف العديد من الحسابات البنكية لأصحاب هذه القضايا، وفي حساباتهم مئات الملايين من الريالات، وفي بعض الأحيان لا يتم معرفة هذه الحسابات إلا عند كشف حادثة الفساد نفسها، وليس هذا فحسب بل قد يقوم غاسلو الأموال بإنشاء شركات وهمية، وبسجلات وتراخيص رسمية مسجلة في الوزارات المعنية، ومن ثم يتم إيداع الأموال القذرة في البنوك والمؤسسات المالية أو تحويلها بينهم أو إلى بنوك عالمية لها فروع كثيرة، ثم تقوم البنوك الخارجية بعملية تحويل أخرى عبر فروعها، وبعد ذلك يقوم أصحابها بسحب أموالهم واستثمارها على سبيل المثال في شراء الأراضي والعقارات أو المساهمة في شركات استثمارية، وعلى هذا الأساس يتم دمج الأموال القذرة في الاقتصاد، بحيث يصعب التفريق بينها وبين الأموال المشروعة والقانونية.

وبناء على ما سبق، نجد أن البنوك تعد القاسم المشترك والوسيط دائما في عمليات غسل الأموال، ولذلك تضمن نظام مكافحة غسل الأموال في المادة (11) منه إنشاء وحدة لمكافحة غسل الأموال تسمى "وحدة التحريات المالية" في جميع المؤسسات المالية وغير المالية، كما تضمنت المادة (10) من النظام بأن على هذه المؤسسات وضع برامج لمكافحة غسل الأموال من خلال وضع ضوابط ونظم دقيقة ومراجعة داخلية تعنى بمراقبة توفر المتطلبات الأساسية في هذا المجال.

وعلى هذا الأساس تمثل مؤسسة النقد السلطة التي تراقب البنوك العاملة في المملكة، وذلك من خلال التفتيش الدوري عليها؛ للتأكد من تطبيق الأنظمة والتعليمات ورصد أي مخالفات والرفع عنها للجهات المعنية.

والأسئلة المطروحة هنا: هل من اختصاص مؤسسة النقد مراجعة وتدقيق السجلات البنكية وحساباتها؟ وهل تقوم المؤسسة بتقييم أنظمة الرقابة الداخلية في البنوك ومن ضمنها تقييم المخاطر المتعلقة بعمليات غسل الأموال؟.

في اعتقادي أن مراجعة الحسابات وتقييم الأنظمة الرقابية لا تقوم بها مؤسسة النقد؛ وذلك لأن المادة (14) من نظام مراقبة البنوك أوجبت على كل بنك أن يعين مراقبين "محاسبين قانونيين" اثنين للحسابات، وبالتالي فإن المحاسب القانوني هو المسؤول عن تقييم أنظمة الرقابة الداخلية في البنوك، ومع ذلك يبقى السؤال الأخلاقي مطروحا وهو: هل تستطيع البنوك التفريط في عملائها المميزين، حتى وإن كانت لديهم عمليات مشبوهة؟ وما الذي يمنع البنوك من التواطؤ مع مراقبي الحسابات؟ وهل يستطيع مراقبو الحسابات الاطلاع على السجلات السرية في البنوك؟ وأخيرا: ما دور ديوان المراقبة العامة في مجال مكافحة غسل الأموال بصفته أعلى جهاز رقابي في الدولة؟ وماذا عن التنسيق بين الجهات المختصة، خاصة عند كشف قضايا الفساد وعلاقتها بغسل الأموال؟.

نشرت الزميلة "عكاظ" في عددها رقم 4440 وتاريخ 13/ 8/ 2013 بأن ديوان المراقبة يطالب بتمكينه من فحص حسابات البنوك، التي تسهم فيها الدولة إلا أن وزارة المالية ترى أن الدور الإشرافي لمؤسسة النقد ووجود مراقبي الحسابات يعدّ كافيا ولا يحتاج إلى مراقبة الديوان، إلى جانب المحافظة على سرية المعلومات والبيانات المصرفية.

والظاهر أن مبدأ "سرية المعلومات المصرفية" والخطأ في تفسيره، وعدم وجود ضوابط واضحة لتقرير هذا المبدأ له دور كبير في نمو ظاهرة غسل الأموال، فلا دور لديوان المراقبة في هذا المجال، ولا توجد مؤشرات وإحصائيات منشورة، وربما يسري هذا الأمر على مراقبي الحسابات أنفسهم، كما لا يوجد دور واضح لمؤسسة النقد في هذا المجال.

هناك حاجة ملحة لمعرفة نتائج جهود مكافحة غسل الأموال من قبل الجهات المختصة على الأقل خلال السنوات الخمس الأخيرة، وأيضا معرفة كيفية التنسيق بين هذه الجهات في مجال تطبيق الأنظمة والتعليمات، وكيفية قيامها باختصاصاتها ومهامها، بالإضافة إلى ضرورة وجود مؤشرات أداء مثل "نسبة الكشف" و"نسبة العقوبات" وغيرها، وهذه الأمور مجتمعة لا تتعارض مع سرية المعلومات المصرفية، فلماذا لا يتم تفعيل دور ديوان المراقبة العامة في هذا المجال؟.