تحدثت وتحدث غيري عن خطر الأمثال في ثقافتنا ودوره في تسيير تصرفات الناس وقناعاتهم، والقدرة العجيبة في الولوج في عقولهم وإخضاعها لممارسات ثقافية سلبية، وسأقف هنا عند أحد الأمثال المتداولة في ثقافتنا العربية والتي تمتلك حضوراً ونفوذاً مهماً في أذهاننا.

"ما فيه دخان من غير نار" هذا المثل جاء في ثقافتنا كنص قانوني مهمته التعامل مع الأحداث والأخبار المتداولة والفيصل في مسائل الخلاف حول قصة أو حدث معين، ويبدو أن ثقافتنا ترفض أن نقف عند الحدث بشيء من التفكير، لقد تجاوزت ثقافتنا العرفية بهذا المثل حدودها، فهي ترفض إلا أن يكون لها حضور في كل الأخبار والقصص التي تدور على مسامع الناس، غير أن حضورها لم يكن بالشكل الجيد والمتوافق مع إنسانية البشر.

الإشاعة والتجني على البشر.. كثير هم ضحايا حماقات وهمجيات من هم محسوبون ظلماً على مجتمعهم، ويبقى الناس حيال هذه الإشاعات بين مكذب ومصدق ومتحرٍّ صدق الخبر ومشكك فيه.

المشكلة الحقيقية ليست في البشر وحسب بقدر ما تكمن في ثقافتهم وموقفها من الإشاعة، ففي الوقت الذي تقف أحكامنا الشرعية أمام هذه الممارسة السلبية رافضة قبول أمر أو خبر إلا بإثبات، تأتي ثقافتنا العرفية لتكون الداعم والمغذي لها، رافضة أن تكون هناك إشاعة أو خبر كاذب لسبب بسيط اختلقته وهو "ما فيه دخان من غير نار"، هنا تأتي ثقافتنا لتحول الشك - دون سبب عقلي مقنع - إلى يقين، لا يهمها الجاني ولا المجني عليه ولا عدد ضحايا أمثالها.

لو أخذنا على سبيل المثال حادثة الإفك، كيف يمكن لنا أن نقرأ هذا التجني العظيم، الذي مس امرأة من أعظم نساء الدنيا طهراً وعفة وديناً، وماذا يمكن لنا أن نقول في قصتها ونحن أبناء المثل "ما فيه دخان من غير نار"، إننا لو قرأنا هذه القصة مستعينين بخلفيتنا الثقافية لوقعنا في خطيئة عظيمة قد تخرجنا من دائرة الدين، ولكننا نقرأها – هي بالذات – بخلفية دينية مستندة على كتاب الله الذي برأها من فوق سبع سماوات، ولكننا حصرنا هذه الآية على صاحبتها، وعدنا نتداول أخبار الناس من خلال أمثال ثقافتنا لا آيات كتاب الله.

إن الأمثال هي أشبه بالدرع الواقي لممارسات وأفكار يجب أن تتغير، حتى ولو جاء من يدعي الفكاك والتحرر من قيودها فستجده تحرراً شكلياً لا يتجاوز ذلك إلا في النادر، وخذ على سبيل المثال لو أن فتاة اتهمت ظلماً بما اتهمت به أم المؤمنين فما موقف المجتمع من خبر كهذا، دعوني أقف عند العاقل فيهم الذي لا يأبه بما يقال ولا يلقي لأي تهمة بالاً ما لم تثبت، سنجده يرفض بشدة هذه التهمة المشينة ويدافع بصدق وقوة عنها وعن عرضها الطاهر، ولكن لو عرض عليه أمر الزواج منها فلن يقدم ولن يفعل مهما كان الأمر رغم علمه ويقينه بطهرها وبراءتها، لماذا ؟ لأنه لا يريد أن يرتبط بفتاة (صار حولها كلام)، وإن كان مقتنعا بعفتها فمن يقنع الناس والمثل يقول (ما فيه دخان من غير نار)؟ وإذا بأشد الناس رفضاً للتهمة أشدهم اتباعاً له.