لو تتبع باحث جاد ما كتب من مطالبات لدعم الفعل الثقافي بشكل حقيقي واستراتيجي منذ أكثر من 5 عقود هي -في الغالب- البدايات الفعلية للحديث عن أهمية الاهتمام بتنمية الفكر والإبداع، لوجد هي ذاتها التي يطالب بها المثقفون والمبدعون حاليا، فالأمر لم يتغير كثيرا إلا في أمور شكلية لا تدخل في عمق الفعل الثقافي المعروف.

فبعكس الإعلام السعودي -الفضائي خصوصا- الذي لا ينكر أحد أنه أصبح مؤثرا على الأقل في محيطه العربي وبشكل كبير، بعد تحريره من القيود الرسمية، يبقى تأثير الجوانب الإبداعية الأخرى كالأدب والفن محدودا جدا، بل يكاد يكون بلا رسالة وطنية واضحة الهوية.

ولأن الفنون وخصوصا السينما والفنون البصرية الأخرى، أصبحت أبرز الرسائل الثقافية المتداولة في وقتنا الحاضر، فقد ركزت عليها جميع الثقافات والشعوب المتصارعة، فجعلتها المركبة الأهم التي تحمل عليها رسائل اختراق الآخر "العدو" ومحاولة تشويه صورته أو هز الثقة به. يجب الاعتراف بأن الثقافة لم تعد رسائل إنسانية تنشر الحب والعدالة وتدافع عن الحقوق والقيم، كما كان معروفا، بل إنها -وللأسف- أضحت كذلك سلاحا خطيرا جدا، قد يفوق في خطورته مئات الأطنان من الأسلحة الكيماوية.

وهنا يتساءل البعض: لماذا ثقافتنا وإنتاجنا الإبداعي لا يؤثران في تشكيل الأفكار ورسم صورة ذهنية لدى الآخر، كما يحدث في ثقافتنا وبلدان أخرى؟

في اعتقادي أن الإجابة المنطقية هي أننا نعاني من غياب الرؤية المستقبلية -والآنية- لما يمكن أن يفعله فيلم سينمائي مثلا أو عمل مسرحي مكتمل الشروط الإبداعية والفنية أو حتى رواية. فالمثير للدهشة أن المخططين والممولين لكل النشاطات الاجتماعية والثقافية، ما زالوا ينظرون للفعل الثقافي بأنه مجرد "ديكور" تكميلي لمستلزمات (البيت/الوطن)، أي أنه ليس ركنا أساسيا في نظرهم من أركان التنمية، ولذلك عندما تقام أي فعالية ثقافية أو يدعم أي مشروع ثقافي فهو من باب "الكماليات الوطنية".

ولعلي أضرب مثلا على ذلك عندما تأتي توجيهات بالاحتفال بيوم عالمي يخص جانبا ثقافيا أو فكريا، تجد الجهات المعنية، لا تتحرك إلا قبل يومين أو ثلاثة، فتبدأ في دعوة هذا أو ذاك دون أية معايير، وعندما يقال لهم "الوقت ضيق والأمر يحتاج إلى إعداد"، يأتيك الرد سريعا: قل أي شيء.. المسألة بسيطة!

الأسوأ أن جهات التخطيط الاستراتيجي والتمويل المادي في وطننا، ما زالت تضع أغطية سوداء على عيونها، فلا تريد أن ترى أو تستفيد مما يفعله الآخرون "الأعداء" بوطننا من خلال النشاطات الثقافية وإنتاج الأعمال الفنية الضخمة الموجهة لعمق وحدتنا الوطنية.

فمتى تستفيق هذه الجهات وتعي معنى "الرسالة الثقافية"؟