صرّح أحد المسؤولين في ديوان المراقبة العامة، بأن الديوان "رفع عدة مقترحات للمقام السامي لمعالجة بعض الثغرات التي لاحظها الديوان من خلال متابعة تنفيذ الجهات المشمولة برقابته لبعض الأنظمة، وما لوحظ من تفاوت طرق التطبيق العملي لها، مما ساعد على خلق ممارسات الفساد"، وقال أيضاً: "إنه أصبح من الضروري إعادة النظر في حصانة بعض المسؤولين الحكوميين وإيجاد النصوص النظامية اللازمة لإخضاعهم للمساءلة في حالة اكتشاف أي تلاعب أو استغلالهم لمناصبهم"!
التصريح السابق لمسؤول الديوان، يثير في الحقيقة العديد من علامات الاستفهام والكثير من الأسئلة وليس هذا فحسب، بل إنه يدق ناقوس الخطر لانتشار الفساد في الجهات الحكومية، فالتصريح يعني ضمناً أن الديوان اكتشف العديد من قضايا الفساد والتلاعب واستغلال المناصب، ومع ذلك لم يستطع الديوان مساءلة المسؤولين عن هذه القضايا بسبب الحصانة التي لديهم، وبالتالي فإن هؤلاء المسؤولين فوق القوانين والأنظمة ولا يمكن محاسبتهم.
وفي الوقت نفسه، يعترف ديوان المراقبة بأن هناك ثغرات في بعض الأنظمة، ساعدت على خلق ممارسات الفساد، وعلى هذا الأساس، يمكن القول بأن هذه الممارسات تكون مشروعة وقانونية، وبالتالي لا أحد يستطيع محاسبة المسؤول عنها لأنها نظامية بسبب وجود هذه الثغرات التي تسمح بارتكاب المخالفات وممارسات الفساد.
وفي سياق متصل بهذا الموضوع، صرّح أحد المسؤولين بوزارة المالية أن هناك جهات حكومية تقوم بإجراء مشتريات وهمية مع نهاية كل عام وقبل فترة مناقلات الميزانية، كما انتقد نظام تأديب الموظفين الذي لا يفرض عقوبات على المخالفين!
ومما سبق يتضح، بأن الأجهزة الرقابية ممثلةً في كل من وزارة المالية المسؤولة عن الرقابة السابقة، وديوان المراقبة العامة المسؤول عن الرقابة اللاحقة، يلقيان باللائمة دوماً على ثغرات الأنظمة والقوانين وعلى ممارسات الجهات الحكومية، وعلى عدم وجود مساءلة للمخالفين، علماً بأن من صاغ الأنظمة والتعليمات المالية التي يصرحون بأن بها ثغرات هما وزارة المالية وديوان المراقبة العامة.
فمن هو الذي صاغ نظام المنافسات والمشتريات الحكومية؟ ومن هو الذي أعطى الصلاحيات للمناقلات بين بنود الميزانية وصلاحيات الشراء المباشر؟ ومن هو الذي صاغ اللائحة الموحدة لوحدات المراجعة الداخلية؟ أين هو دور المراقب (الممثل المالي) التابع لوزارة المالية في الجهات الحكومية؟ وأين دور وزارة المالية عند مراجعة العقود والصفقات؟ وأين دور ديوان المراقبة في تقييم أنظمة الرقابة الداخلية؟ وأين دوره في الرقابة على أداء الأنشطة والبرامج الحكومية؟
إذا كان ديوان المراقبة يقول بأنه توجد حصانة للمسؤول، ووزارة المالية تقول بأنه لا توجد عقوبات في نظام تأديب الموظفين، فماذا عن تطبيق نظام محاكمة الوزراء ونظام مكافحة الرشوة؟ وماذا عن كلمة خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- في محاسبة "كائناً من كان"؟
في رأيي، أن من يعطي الحصانة للمسؤولين هما في الحقيقة ديوان المراقبة ووزارة المالية، فهما يعتبران المسؤول الأول عن الخلل الموجود في منظومة المساءلة في المملكة، فهما يضعان الأنظمة والتعليمات المالية، ثم يقولان بأن بها ثغرات ويلقيان باللائمة على الجهات الحكومية!
فإذا كان للديوان الحق عند اكتشاف مخالفة مالية أو حسابية وفقاً للمادة (16) من نظامه الحالي، المطالبة من الجهة المعنية بإجراء التحقيق اللازم ومعاقبة الموظف المسؤول عن ذلك، أو أن يقوم الديوان بتحريك دعوى عامة على الموظف المسؤول أمام الجهة المختصة بإجراء التأديب، كما أن وزارة المالية قد رصدت وجود "مشتريات وتوريدات وهمية" في بعض الجهات الحكومية، والأسئلة المطروحة هنا: هل قام ديوان المراقبة ووزارة المالية برفع دعاوى قضائية ضد المخالفين؟ وهل بالفعل لم تتم محاكمة المتورطين لأن لديهم حصانة؟ أو لم يتم تطبيق أية عقوبات عليهم؟
تجدر الإشارة هنا إلى أن ديوان المراقبة يطالب بتشكيل لجنة عليا محايدة لدراسة تقاريره الرقابية، حيث إن من يدرس هذه التقارير هي لجنة، معظم أعضائها من الجهات الحكومية التنفيذية محل الملاحظات، وبالتالي لا يتوقع مساءلة هذه الجهات، كما أن هناك جهات حكومية تحجب المعلومات عن الديوان ولا تتعاون معه، بالإضافة إلى وجود فجوة بين الرقابة السابقة واللاحقة لعدم تفعيل وحدات المراجعة الداخلية، وتقادم نظام الديوان الحالي الذي لا يتواكب مع التطورات الحديثة، وهذا يعني أن الديوان لا يستطيع أن يقوم بدوره بالشكل المطلوب تجاه مساءلة الجهات الحكومية.
وكما ذكرت آنفاً، فإن المشكلة الحقيقية ليست في الأنظمة والتعليمات وحدها، وإنما في الخلل الموجود في منظومة المساءلة ككل، والمسؤول عنها ديوان المراقبة ووزارة المالية، فالتغيير والإصلاح يبدأ من داخل الأجهزة الرقابية أولاً ومن ثم ينظر إلى العوامل الخارجية.
فديوان المراقبة يستطيع ذلك من خلال نظامه الحالي، الذي يتيح له ممارسة الرقابة المهنية من خلال تصديق الحسابات الختامية والميزانيات للجهات الحكومية، فعند تطبيق ذلك فلن تستطيع جهة حكومية واحدة حجب المعلومات، أو عدم التعاون معه، ولتحال تقاريره إلى أي لجنة كانت، فهي لن تفلت من المساءلة في كل الأحوال، كما يستطيع الديوان حينها تطبيق الرقابة على الأداء بشكل يتفق مع المعايير المهنية في هذا المجال.
قبل فترة تناقلت وسائل الإعلام، خبراً عن رصد مخصصات مالية لديوان المراقبة لتطوير النظام المحاسبي الحكومي، وكذلك بالنسبة للتعاملات المالية الإلكترونية في الجهات الحكومية وربطها مع الديوان، علماً بأن هذا الربط لم يعمل به في أي دولة من العالم! فإذا تم تطبيق هذا النظام ووجدت به أخطاء أو ثغرات فهل يعترف الديوان بذلك؟ فهو من وضع النظام!.. أليس هذا الأمر لا يتوافق مع استقلاليته، بل يخدشها، لذا كان من الأفضل توجيه الجهود نحو تغيير المنهجية الرقابية للديوان ووزارة المالية، فهذه المنهجية أقل تكلفة وأسهل تطبيقاً من الربط الإلكتروني وأكثر فاعلية لتطبيق المساءلة والمحاسبة لأي مسؤول كان.