أصدر نادي جدة الأدبي الثقافي للناقدة السعودية منى المالكي، كتاب "عندما يحكي الثبيتي" وهو جزء من بحث للماجستير تناولت فيه الباحثة "السردية الشعرية في القصيدة العربية الحديثة: أمل دنقل، محمد الثبيتي "أنموذجا" الكتاب الذي بلغ عدد صفحاته مئة وثلاث وخمسون ورقة، تناول تجربة الشاعر محمد الثبيتي، بتعاطف شديد مع شخصيته وشعره فتقول في الصفحة العاشرة: "كان هاجسي الشعر وقبل الدخول في تفاصيل الثبيتي كظاهرة شعرية، فنيا وجماليا باعتباري من متذوقات شعره، ثم صار هاجسي بعدها موقفنا كمجتمع ومؤسسات من الشاعر الثبيتي وموقفه أو رده على هذا الموقف.. منا.
كان هاجسي الشعر، ثم أصبح الشاعر هو هاجسي منذ البداية تفصح الباحثة عن موقف عاطفي من تجربة الثبيتي، وتنعكس هذه العاطفة على مجمل فصول الكتاب التي بلغت ستة فصول هي: سماء تحتقن بالسحب، فضاءات الحيرة والارتباك، مداخل مملكة النص، من ذا يعيد قراءة جرحه، عناصر البناء السردي، ، التوغل في تفاصيل الروح.
تلقي الباحثة الضوء على البيئة الحجازية الحاضنة للشاعر وتستعرض شيئا من تاريخها الثقافي، بدءا من فترة العشرينات الميلادية حين أطلق محمد حسن عواد، أسئلته التي اعتبرتها الباحثة أسئلة تنويرية وتحديثية، وتشير إلى أن الدولة السعودية آنذاك ممثلة بالملك عبدالعزيز رعت حالة الوعي الثقافي لتسأل بعدها، ماذا سيكون مصير صوت ـ محمد الثبيتي الشعري ـ لو أن مسار سياسات الدولة الاجتماعية والثقافية استمر لثلاثة عقود أخرى على ذات النهج وفي نفس الاتجاه؟
ومنها تخرج الباحثة إلى الفضاء الذي ولد فيه الشاعر ونضج صوته في مرحلة السبعينات الميلادية، حيث اشتد الصراع بين تيارين في الفكر السعودي أحدهما حداثي والآخر سلفي قلب العاصفة.
في السياق نفسه، تستعرض الباحثة التجارب الشعرية الأولى لمحمد الثبيتي، وتختار له نصوصا تنبئ عن شعرية رافضة لتقاليد الشعر الكلاسيكي، وتسبر مرحلة الصراع مع الفكر التكفيري فيما أسمته "الإعصار التكفيري"، وتلحظ بعين ناقدة أن حركة الحداثة في الستينات الميلادية كانت أقل تجذرا من حراك العشرينات، فقد غاب عنها الحديث عن المجتمع والواقع مكتفية بالتجديد في الشعر، ومع ذلك واجهتها "القوة المحافظة" بكل ضراوة وشنت هجوما شرسا استخدمت فيه أسلحة "الهوية الفتاكة"، ثم تستعرض بشكل موجز التحول الاجتماعي مع بداية الطفرة في سنوات السبعينات إلى مرحلة الصراع الفكري بين التيار التقليدي والحداثي في الثمانينات، حيث برز صوت الثبيتي باعتباره أكثر الشعراء تعبيرا شعريا عن المفاهيم الفنية والجمالية الجديدة، وبالتالي كان له نصيب الأسد من الهجوم.
ولأن الثبيتي أكثر شعراء المملكة حداثة فقد أفردت الباحثة تحت عنوان "لعنة التفرد"، التي تجلت في مجموعته "التضاريس"، حيث وصفت إصدارها بالصدمة التي مثلت خروجا تاما وقطيعة مبرمة في ديوان الشعر السعودي الحديث أثارت عليه ثائرة التقليديين، ثم تستعرض الباحثة بكثير من التفجع الساعات الأخيرة من حياة محمد الثبيتي، ومع أن ساعات رحيله لا تمت للبحث بصله، إلا أن تعاطف الباحثة مع شخصية الشاعر أملى عليها أن يطلع قارؤها على ساعة فراقه الحياة.
في الفصل الثالث من الكتاب تحاول الباحثة تبرير استخدامها لمصطلح السردية الشعرية، التي حددت مكوناتها وجودها بالعنوان والمقدمة والخاتمة، لكنها لا توضح طبيعة المصطلح وتاريخه نظريا بل تجتاز بواباته الثلاث من خلال العبور في القصيدة وتطبيق مفهومها للسردية الشعرية على النص.