يكاد يتفق فقهاء المسلمين على مفهوم "مقاصد الشريعة"، الذي يعني إجمالاً "ما يقصد الشارع من عمل أو كف، أو ما يقصد بشرع الحكم" بمعنى "مراد الحق سبحانه وتعالى في شرعه من الخلق"، وبعبارة أخرى هي "الغايات التي وضعت للشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد".

وعلى هذا الأساس، يعتبر "علم المقاصد" وسيلة لبيان كثير من علل الأحكام الشرعية ومقاصدها في العبادات والمعاملات والأنكحة وسائر أبواب التشريع، ويعتبر أيضاً من الشروط الضرورية التي يجب أن يراعيها الفقيه في اجتهاداته وفتاواه.

وللفقهاء الأوائل طرق ووسائل متعددة في استخدام مفهوم المقاصد، ومن ذلك على سبيل المثال ما يسمى بـ"مسلك العلل"، فتعتبر العلل مسالك مباشرة أو غير مباشرة لإثبات مقاصد الأحكام، ومن ذلك أن تذكر علة الحكم صراحة في النص الشرعي، أو يمكن استنباطها من خلال الاجتهاد والقياس.

لن أخوض في تفاصيل أكثر في هذا الموضوع، ولكن ما أريد قوله بالتحديد أن علم المقاصد من الأمور التي أهملها الفقهاء ورجال الدين في العصر الحديث للأسف الشديد في استنباط الأحكام الشرعية، بالرغم من اعترافهم بأن هذا العلم يعتبر من أساسيات أصول الفقه.

فهم قيّدوا هذا العلم، بما يسمى بوقوع الإجماع على علة حكم من الأحكام الشرعية، وبالتالي لا يمكن للإنسان العمل على صياغة قوانين وأحكام جديدة وفق مستجدات الواقع أفضل مما ورد في الشريعة المقدسة، فالإجماع دليل لمعرفة الأحكام وعللها ومقاصدها المنوطة بها، فهو يثبت ما هو قطعي يقيني من تلك العلل والمقاصد، إذ يخرجها من دائرة الظنون والاحتمال إلى دائرة القطع واليقين والتسليم!

وليت الأمر اقتصر على مسألة "الإجماع"، وإنما امتد الأمر إلى الانحراف الكلي عن المقاصد والعلل في الأحكام الشرعية، كما اتهموا من يحاول استخدام هذا المفهوم وفق مستجدات العصر الحديث، بأنه يتخذ ذلك ذريعة لتعطيل النصوص الدينية ومحاولة هدم الشريعة الإسلامية كلها، تحت ذريعة تحقيق المصلحة الموهومة على حد تعبيرهم!

فأصبح المسلمون للأسف يقرؤون القرآن ولا يفهمون أهدافه، ولا يدركون أسباب الأحكام الشرعية، كما أهملوا إحدى معجزات القرآن الخالدة المتمثلة في المعنى الوجودي والرحمة في نصوصه، وهناك مسألة مهمة في القرآن قلما يلتفت إليها المسلمون للأسف رغم أهميتها، وهي أن هناك أحكاماً تتضمن مبادئ ثابتة كالعدالة والإنسانية والمساواة، تتضمن وسائل وآليات لتحقيقها بما يتناسب مع ظروف المجتمع وبيئته، والقرآن يضرب لنا أروع الأمثلة في تحقيق هذه المبادئ.

لنأخذ على سبيل المثال قضية "تعدد الزوجات" في المجتمعات الإسلامية، فلو سألنا المسلم العادي عن هذه المسألة لقال بعفوية: "إن هذا الأمر من شريعة الله ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم"، ولو قلنا: لماذا أباح الله عزّ وجل تعدد الزوجات؟ لربما تحيّر في الأمر، أو ردد على مسامعنا ما يقوله فقهاء اليوم ورجال الدين في هذه المسألة، مثل أن الرجل بطبيعته يحب التعدد، بالإضافة إلى كثرة العنوسة في المجتمع، وأن يكون للرجل عدة زوجات أفضل من أن تكون له زوجة واحدة وعشر عشيقات! وعلى هذا المنوال نجد التبريرات لهذه المسألة من موقع دفاعي لا يدرك العلل والمقاصد من تعدد الزوجات.

لقد اعتمد فقهاء المسلمين على الآية الثالثة من سورة النساء في القول بإباحة زواج الرجل بأربع نساء كحد أعلى وفي وقت واحد، وذلك في قول الله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا)، وعلى هذا الأساس قالوا بأن "شرط إباحة التعدد هو القدرة عليه بدنياً ومالياً، فإذا آنس الرجل من نفسه القدرة على العدل أبيح له الزواج والتعدد، وأما ما يسببه الزواج بأخرى من إيذاء نفسي وتوتر عصبي بالنسبة للزوجة الأولى فالزوج مطالب (على وجه الاستحباب) بأن يتلطف بزوجته ويقنعها بالأمر"!

ومما سبق يتضح أن الفقهاء أهملوا السياق القرآني، والهدف الأساسي (المقاصد) من مسألة تعدد الزوجات، فالتعدد موجود قبل الإسلام ويعتبر عرفاً اجتماعياً عند العرب، ولكن ما الجديد في الموضوع؟ المتمعن في عشر الآيات الأولى من سورة النساء يجد أنها أنزلت لإقرار حقوق اليتامى، ذلك الهدف الإنساني الذي أهمله الفقهاء، بحيث لا يظلم اليتيم ولا تهدر حقوقه ولا تؤكل أمواله بالباطل، ثم تتحدث الآيات عن شروط وضوابط للتعامل مع الأيتام بما يتناسب مع ظروف المجتمع في ذلك الوقت، وآية التعدد التي يستشهد بها الفقهاء لم تأت للحديث عن الزواج أو عن التعدد في الأساس.

كما أن معنى اليتامى اختلف فيه البعض من المجددين، ومنهم من قال بأن المقصود باليتيم هو من فقد أباه في الصغر وما زالت أمه على قيد الحياة "أرملة" فيكون الحل الزواج منها لرعاية هذا اليتيم في حال عدم الإقساط إليه في ذلك الوقت، والبعض الآخر يرى أن التعدد لم يكن تشريعاً في بعده القانوني، بل لغرض تحديد العدد في جانب الكثرة فقط؛ حيث كان الرجل يتزوج بما شاء من النساء عرفاً، فجاء الإسلام ومنعه من هذا السلوك والتعامل الإنساني.

كما أن العدل بين النساء لا يقتصر على العدل في النفقة والمبيت، وإنما في كل ما هو ضد الظلم، وواقعنا المعاصر يشهد على مظالم كثيرة طالت الأبناء والزوجات بسبب التعدد، وبالتالي أهدرنا حقوق اليتامى وحقوق النساء التي جاء الإسلام لإقرارها والحفاظ عليها.. فمتى يحين الوقت لنفهم مقاصد الشريعة ونتحرك نحو وضع القوانين لتحقيقها بما يتناسب مع المستجدات التي نعيشها؟