شعور من الصعب وصفه، فليس من رأى كمن سمع.. أسهمت ضمن فريق إغاثي بالتطوع لتقديم الدعم للمتضررين في أحداث سيول جدة، وربط جهود الإغاثة في مناطق المملكة وتنسيقها، كانت"بحيرة الصواعد" آنذاك كابوسا مفزعا وحديث المجالس. زرتها عشية الإعلان عن انتشال الجثة رقم 123 لمن غرقوا في تلك الحادثة.
أثناء وقوفي على ضفاف البحيرة شاهدت ذوي المفقودين يترددون عليها بحثا عن مفقوديهم على أمل معرفة مصيرهم. وأفاد عضو في فرق التفتيش عن ناجين، بأن مكابدة أهالي المنطقة المنكوبة المجاورة للبحيرة يومية، بحيث يتسقطون الأخبار دون كلل. لاحظت أن ذلك يبدأ صباحا.. تقترب السيارة من بحيرة الصواعد التي ابتلعت يوم الأربعاء جثث الأحياء من القريبين منها إلى جانب ما جرفه سيل ذلك اليوم من جثث مقبرة تقع بجانبها، يترجل من يصل إليها من سيارته وتشوب خطواته إلى حافتها هالة حزن وانكسار، يتأمل الأفق وأعمال الإنقاذ كأنه يعيش كابوسا يريد أن يفيق منه.
أحد قاطني المنطقة أثناء بناء جزء من منزل متهدم تحدث مشيرا إلى وفاة 3 فتيات صغيرات فجع والدهن برحيلهن إلى جانب اثنين من ضيوفه.. التهمهم السيل في لحظات أمام ناظريه، كل ما في المكان يتحدث عن هول الفاجعة، ويؤكد أن ما حدث كان طوفانا لا يرحم.. أثاث المنازل تحت الأقدام متساوٍ مع الأرض، جزء متحطم من سرير طفل، بقايا غرفة نوم، مخلفات لغرفة جلوس، حياة كاملة كانت هناك وتحولت حطاما تساويه السيارات بالأرض عندما تمر عابرة للبحث عن المفقودين في البحيرة.
يأتي هذا المقال بعد أعوام من الكارثة، أتأمل خبرا منشورا يوم السبت الماضي يتعلق بإصدار الدائرة القضائية المختصة بمحاكمات السيول17 حكما تقضي بسجن متهمين في كارثة سيول جدة "133عاما، وتغريمهم أكثر من14 مليون ريال". ومازال الطريق طويلا أمامنا، فالمحكمة الإدارية بجدة تعمل على 31 قضية مرتبطة بـ123 متهما، وأصدرت 27 حكما يخص هذه القضية، وأردد "سبحان الذي يمهل ولا يهمل.. أن يختبر الله صبر المنكوبين، ويأتي القصاص الذي لن يعوض الخسائر، لكنه يحقق العدالة ويردع الفساد".
يضاف إلى الفاسد والمهمل والمستهتر بأرواح الناس، المزايد الذي يستغل مواسم الأمطار اعتقادا منه بأنه سينجح في تمرير سمومه الموجهة إلى نزاهة القضاء، وجهود الدولة في إعطاء كل ذي حق حقه، وهي توجهات ليست أقل في فظاعتها ممن كانوا سببا في مأساة السيول التي هزت المجتمع السعودي وأصبحت كالوشم في وجدانه.