في كثير من المجتمعات والدول، خاصة دول العالم الثالث، ثمّة متناقضات ظاهرة في أداء الأجهزة الحكومية. ففي حين يُحقـّق هذا الجهاز أو ذاك نتائج إيجابية في قضية من القضايا، تجد الجهاز نفسه يُخفق في معالجة قضية أخرى، الأمر الذي يستدعي البحث والمساءلة عن أسباب نجاح هذا الجهاز في تلك المهمة وفشله أو إخفاقه في مهمة أخرى، هي من صميم مهامه ومسؤولياته.

وفي مجتمعنا السعودي تبدو هذه المتناقضات في أداء بعض الأجهزة الحكومية جلية وظاهرة، لاتخفى على عين الراصد والمتأمل. ولإيضاح ذلك سأضرب أمثلة، ومنها ما يلي:

شهدنا في الأيام الماضية تدشين نظام "ساهر" وهو نظام رقابي مروري ذو أهمية، وإن كان قد تأخـّر كثيراً، لكن اللافت في تطبيقه أنه أثبت مدى قدرة الأجهزة المعنية على تحصيل أموالها الخاصة – إذا رغبت - بسرعة فائقة وتقنية عالية، وهذا بحد ذاته إنجاز يُحسبُ لها. غير أن السؤال الذي يجب أن يُطرح: لماذا لا تـُطبّق هذه الآلية في تحصيل الحقوق بين الأفراد، الثابتة بأحكام قضائية والتي تراكمت عبر السنين بالمليارات، مما أضعف الثقة في الأجهزة المعنية وأصبحت التعاقدات بين المواطنين غير ذات ثقة.

وهذا يعود إلى ضعف الآلية التي يتم التعامل من خلالها في تحصيل الأموال؟!! فالحقوق هي الحقوق، سواء كانت لصالح الدولة أو لصالح الأفراد، وضمان الدولة لحقوق الأفراد يجب أن يكون من أولى الأولويات.

- لايخفى على أحد مدى نجاح الأجهزة المعنية بمحاربة الإرهاب والتصدي له، ولقد أصبح نجاحها مضربَ مثل ومصدر فخر لنا جميعاً. وكذلك نجاح الأجهزة المعنية بمكافحة المخدرات ومصادرتها وحماية المجتمع منها. ولعل نجاحها في التصدي للعملية الأخيرة التي تم بموجبها القبض على (195) شخصاً من جنسيات مختلفة، في محاولة لتهريب وترويج المخدرات في عملية تكشف عن علاقة وثيقة بين تجارة المخدرات وتمويل الإرهاب، هو أكبر دليل على "اليقظة" المتوخاة والمرجوة من الأجهزة ذات العلاقة. غير أنّ السؤال الذي يُطرح ، مع النجاح الكبير لهذه الأجهزة في القضاء على الإرهاب والحد من المخدرات ، هو: لماذا لاتعمل هذه الأجهزة بالكفاءة نفسها والقدرة ذاتها في التصدي لظاهرة سرقة البيوت والسيارات والمحال التجارية؟ هل يعود ذلك إلى نقص في مقدرات هذه الأجهزة؟ أم أن هناك معايير مختلفة في مسألة الأمن؟!

- من المعلوم بداهةً أن الاقتصاد الحر يُشجع المنافسة من خلال سنّ قوانين تضمن تحقيق مبدأ الفرص المتساوية بين المتنافسين ومكافحة الاحتكار، في الوقت الذي نرى فيه وزارة العمل تعمل خلاف تحقيق هذا المبدأ وترسيخه . وذلك يتضح من خلال أن الوزارة قد منحت عدداً محدوداً من كبار شركات المقاولات آلاف التأشيرات لاستقدام العمالة من الخارج، بينما نجد الوزارة لا تستخدم المعيار نفسه في منح الشركات الأخرى تلك المميزات والتسهيلات التي تمنحها لشركات محدودة! الأمر الذي جعل المشاريع الحكومية الضخمة حكـْراً على تلك الشركات المحدودة، مما أضعف قدرة الشركات الأخرى على المنافسة وبالتالي عدم تساوي الفرص . والأمثلة في هذا المجال واضحة كل الوضوح ولا تحتاج إلى مزيد بيان!

- وفي سياق الاقتصاد والاستثمار، نجد أن الدولة بأجهزتها المعنية ركزت في الفترة الأخيرة على تهيئة المناخ للاستثمار الأجنبي ، من خلال سن القوانين وتسهيل الإجراءات وتسويق فرص الاستثمار في الداخل . ولعل آخر عملية تسويق ما شهدناه قبل أيام قليلة من قيام وفد حكومي برئاسة وزير المالية وعضوية كبار المسؤولين الاقتصاديين في المملكة لتسويق فُرص استثمارية في الداخل السعودي ، بمبلغ تريليون دولار! والأسئلة التي تُطرح على وزير المالية والمسؤولين المعنيين في هذا المجال ، هي: كيف تتم دعوة شركات أمريكية للاستثمار في الداخل ، بينما نجد أن الحكومة تستثمر أكثر احتياطياتها في سندات الخزينة الأميركية؟! ولماذا لا تستثمر الحكومة أموالها في الداخل طالما أن الوزير ومرافقيه مقتنعون تماماً بجدوى الاستثمار في الداخل؟ وكيف يمكن إقناع مستثمر أجنبي بمدى جدوى هذه الفرص وهو يرى مُسوّقيها يستثمرون أموالهم في سوق السندات الأميركية؟!

وبعرض مثل هذه المتناقضات، وغيرها كثير، يتضح لنا أن أجهزة الحكومة قادرة إذا رغبت على العمل والإنجاز . فما الذي يجعلها تُحقق إنجازات في مجالٍ ولا تحقق الإنجاز ذاته في مجالٍ آخر لايقل أهمية؟

أعتقد أن هذا هو السؤال الذي يجب أن يُبحث من أجل تحسين الأداء الحكومي وإعادة العمل ليكون ضمن منظومة واحدة ذات معايير موحدة، فمهام الدولة كلٌّ لا يتجزأ.