لا يخفي رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان حقيقة أنه يخطط الترشح للرئاسة في 2015 عندما تنتهي فترته الحالية كرئيس للوزراء. هدفه هو اختيار تلميذ مطواع ليكون الرئيس القادم للوزراء حتى يستطيع أن يمدد فترة حكمه التي تحلى خلالها بسلطة مطلقة.

لكن كل هذه الخطط أصبحت الآن موضع شك نتيجة لثلاث أزمات متزامنة انفجرت خلال الأيام القليلة الماضية.

الأزمة الأكثر أهمية هي عبارة عن سلسلة من حملات التفتيش والاعتقالات لأقارب أربعة من كبار وزرائه، بالإضافة إلى محافظ إسطنبول المقرب من حزب العدالة والتنمية. تهم الفساد تتركز حول ادعاءات بأن تركيا دخلت في معاملات نفطية بقيمة 119 مليار دولار مع إيران عن طريق بنك هالك الذي تملكه الدولة. عندما فتشت شرطة إسطنبول منزل مدير البنك سليمان أصلان، وجدوا 4.5 ملايين دولار نقداً. كما تم اعتقال الإيراني رضا زراب لعلاقته بقضية تعاملات النفط السرية، في انتهاك للعقوبات الدولية، ووجهت إليه تهمة توزيع 63 مليون دولار كرشاوى لبعض كبار الوزراء في حكومة إردوغان وبعض المسؤولين البارزين في حزب العدالة والتنمية الحاكم.

بعد حملات التفتيش الواسعة التي قامت بها الشرطة في 17 ديسمبر، حاول معمر جولر، وزير داخلية إردوغان، أن يغلق التحقيق باستبدال جميع كبار ضباط الشرطة الذين قاموا بالتحقيق على مدى سنتين دون أي تسريب لوسائل الإعلام أو الحكومة. النائب العام في تحقيقات الفساد المتعددة، زكريا أوز، كان سابقا قد لاحق بعض كبار ضباط الجيش التركي المتقاعدين وأرسل عشرات منهم إلى السجن. تلك التحقيقات عززت سلطة حزب العدالة والتنمية وإردوغان.

لكن الطاولة دارت الآن ضد إردوغان وحزب العدالة والتنمية ومحاولات إغلاق التحقيق قد تثبت أن إردوغان وصل إلى لحظة "ووترجيت" الخاصة به. بعد الاقتحامات التي تعرضت لها مقرات الحزب الديموقراطي في 1972، حاول الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إغلاق التحقيق في الاقتحام الذي تبين أن الأشخاص الذين قاموا به كانت لديهم علاقات مع البيت الأبيض. لكن محاولة التغطية على ذلك، وليس الجريمة ذاتها، هي التي يتشابه فيها موقفا نيكسون وإردوغان، وهذا ما لم تغفل عنه وسائل الإعلام التركية المعارضة –ولم يغفل عنه أيضا السفير الأميركي فرانك ريكاردون، الذي اتهمه إردوغان بالتخطيط للفضيحة ردا على صفقات النفط السرية التي عقدتها تركيا مع إيران.

الفضيحة الثانية لإردوغان تتعلق بمعدلات الفائدة. على مدى سنوات، حافظت تركيا على معدلات فائدة منخفضة، وهذا تسبب بتدفق أموال كثيرة إلى الاقتصاد التركي. هذه الأموال خلقت فترة طويلة من النمو الاقتصادي النسبي الذي زاد كثيرا من شعبية إردوغان، كما خلق ذلك فقاعة اقتصادية بدأت تفرغ من الهواء الآن، حيث بدأت نفس الأموال تتدفق خارج تركيا وتعود إلى الدولار واليورو. بحلول انتخابات 2015 الوطنية، قد يواجه إردوغان رد فعل على تراجع حاد في الاقتصاد التركي.

علاوة على ذلك، يواجه إردوغان حاليا نتائج سياسة أوباما الخاطئة تجاه سورية. في بداية الاحتجاجات السورية في 2011، التمس أوباما شخصيا مساعدة صديقه إردوغان في قيادة الهجوم على الرئيس السوري بشار الأسد، استنادا إلى تأكيدات من واشنطن بأن الأسد ستتم إزاحته عن الحكم بسرعة. أصبح إردوغان صوتا قائدا في تأييد الهجوم على الأسد وأصبحت تركيا قاعدة عمليات للمتمردين السوريين من جميع الأطياف. الآن، بعد ثلاث سنوات تقريبا، بعد أن ألغى الرئيس أوباما الضربات العسكرية الأميركية ضد الجيش السوري، تستعد واشنطن للعيش مع الأسد وشن حرب ضد المتمردين السوريين المرتبطين مع القاعدة.

نتيجة التحولات في مواقف واشنطن، يواجه إردوغان ثاني أكبر فشل في سياسته الخارجية. كان إردوغان قد وضع ثقل تركيا الدبلوماسي وراء الإخوان المسلمين في مصر وحكومة محمد مرسي، جزئيا بسبب سياسة إدارة أوباما العامة الداعمة لحركات الإخوان المسلمين في تونس، ليبيا، مصر، الأردن، وسورية. بعد إطاحة الجيش المصري بالرئيس مرسي في يوليو من هذا العام، تخلت واشنطن عن سياسة دعم الإخوان المسلمين. ترك ذلك إردوغان معزولا في استمراره بدعم الإخوان المسلمين.

مشاكل أردوغان الثلاث ازدادت سوءا لأنه يواجه الآن أحد مؤيديه السابقين، رجل الدين فتح الله كولن الذي يعيش في المنفى في الولايات المتحدة منذ 1999 حين قام الجيش بحملة ضد حركته الدينية، وهو يدير إمبراطورية ضخمة من الجمعيات الخيرية الإسلامية، ومدارس ذات طابع ربحي، ومنظمات أخرى يبلغ عدد المنتسبين إليها بالملايين. تأييد كولن أحد العوامل الهامة التي دفعت حزب التنمية والعدالة إلى السلطة.

في أوائل ديسمبر، نشرت صحيفة "تاراف" التركية وثائق سرية من مجلس الأمن القومي موقعة من إردوغان وتأمر بحملة ضد أتباع كولن. باختصار، يبدو أن حركة كولن الآن تخوض حربا أهلية مع إردوغان وحزب العدالة والتنمية. حملات التفتيش التي تمت في 17 ديسمبر وما تلاها من فضائح فساد ضد أردوغان، شوهت سمعته وأضعفته بعد أن كان يتمتع بسلطات واسعة.

مستقبل تركيا الاقتصادي والسياسي أصبح الآن، ولأول مرة منذ عقد من الزمن، محل شكوك. ذلك سوف يؤثر على منطقة الشرق الأدنى بكاملها وعلى منطقة الخليج في عام 2014.