أتأمل، وأتأمل.. ثم أتأمل، في الكثير من حالات الظلم التي يتعرض لها الفرد بوصفه إنسانا، ثم أستحضر النماذج، وأقارن بين أسباب الظلم في كل منها، فأجدني – مع كل حالة – أعود إلى سبب رئيس لا شركاء له.

أشك في طريقة تفكيري، وأعيد التأمل، لعلني أجد أسبابا أخرى، وأستعيد الحالات حالة.. حالة، فلا أجد غير السبب نفسه.

أجتهد في الاستنتاج، لتكون النتيجة الوحيدة أن هدر حق الإنسان في القول والكتابة والإبداع والعمل والنجاح والتعبير، بل ومحاسبته على ذلك، محاسبة تصل إلى العقاب، تُمارس من قبل مجموعات، وليس من قبل أفراد، وإن أقدم عليها الأفراد، فهم ـ دائما ـ يفعلون ذلك إرضاء للمجموعة، أو من أجل مصلحتها.

يظلم الإنسانُ إنسانا، وهو يظن أنه يعمل صالحا، وقد يكون مدركا أنه يفعل الشر عينه، لكنه يرى فيه خيرا للمجموعة، وفي هذه الحال، يكون الظلم من المحظورات المباحة بالضرورات، أو من الوسائل المبررة بالغايات.

الظلم الواقع على الأفراد هنا، يكون ظلما ممنهجا لا عفوية فيه ولا خطأ؛ ذلك أن وقوعه يعني مصلحة المجموعة، وعندئذ يتوهم الظالم أنه يحقق بالظلم عدلا.

المجموعات التي يمارس أفرادها الظلم الممنهج، تكون – في الغالب – ذات أهداف سياسية يعلمها أصحابها، أو تغيب عنهم، فلا يعلمها منهم إلا الرّاسخون في الحزب أو الحركة أو الاتجاه، وهم القادة الذين كرسوا في أذهان تابعيهم أدبيات لا تعترف للإنسان بحق أو عدل أو قيمة، ما دامت "الإنسانية" تتعارض مع المصلحة العليا للحركة، أو تحقق خطوة على الطريق "الاستراتيجي".

ظلم الحزبيين والحركيين والتيّارييّن ظلم خفي، يراه – فقط – قادة الحزب، ويستطيع إدراكه – بعد طول نظر ـ العارفون بأساليب هذه الحركات، أو المتعرضون لظلمها أو أذاها دون ذنب سوى "لا" لما تفعلونه، و "لا" لما تخططون له، و"لا" لكل أدبياتكم وأفكاركم.

الانتماء إلى حركة أو حزب أو تيار، تلغي في الفرد الإحساس بقيمته بوصفه فردا؛ فلا تبقى له قيمة إلا من خلال المجموعة، وبالتالي تلغي فيه الإحساس بالإنسان المستقل، وتغيب عنه الشعور بآلام المظلوم، وتجعله ظالما حقيقيا، سواء أكان يعي ذلك، أم لا يعيه.

المصيبة، أو المشكلة، أن النظر إلى الإنسان – في هذه الحال ـ لا يتجاوز رؤيته بصفته أداة تحقق نصرا للحزب، وتلك أقصى درجات امتهان الإنسان، وأقسى طرائق التعامل معه.

نتساءل على الدوام أمام حالات الظلم: أين قلوب هؤلاْء؟ ألا يخافون الله؟ كيف تطاوعهم أنفسهم على مثل هذا؟ وغيرها من الأسئلة، وننسى أن هؤلاء ـ في الأصل – بشر مثلنا، لهم قلوب تخاف وتحن وتعطف، لكن عليها "أكنّة" بسبب الانتماء إلى حركة تزين لهم الظلم، وتجعلهم يخلصون فيه، متوهمين أنهم على طريق العدل والحق، ولذا لا تتعبهم ضمائرهم كالمستقلين الأسوياء!