مع توجه العالم كله، والعالم العربي ضمنه إلى التخلي التدريجي عن استخدام الورق لصالح التخزين في ملفات إلكترونية على أجهزة الكمبيوتر أو الأقراص الإلكترونية وغيرها.. تنطلق التساؤلات عن إمكانية توثيق جميع تفاصيل المرحلة الحالية من الزمن، وما الذي يحدث في المراحل المقبلة إن تم الاستغناء عن الورق نهائيا؟
هل يمكن أن يبلغ العالم ذات يوم مرحلة التوثيق الإلكتروني فقط، ليجد البشر أنفسهم أمام مخطوطات إلكترونية قد تضيع بكبسة زر، لتضيع معها معلومات مهمة عن زمن ما، وتبدأ محاولات استرجاع الملفات التي قد يسترجع بعضها وقد يضيع الكثير منها.
يتحدث عدد من المثقفين والمهتمين ويطالب بعضهم بالابتعاد عن الورق في استخداماته كلها، بما فيها التعليم والاختبارات، ولو حدث ذلك لتلاشت قدرات الناس ومهاراتهم في الكتابة باليد، ولأصبح الخط العربي ـ على سبيل المثال ـ في خبر كان، إلا من توارثوا مهارته من آبائهم أو أساتذتهم، فالمسألة ليست مجرد طرح وينتهي الأمر، بل له تبعات ونتائج تنعكس على أمور أخرى في الحياة العامة.
يلجأ اليوم كثير من المبدعين إلى كتابة نصوصهم على الكمبيوتر، فأزاحوا المخطوط الأولي من الوجود ولم يبق له أثر، فالكاتب أو الشاعر ينقح ويصحح على الجهاز، ثم يحفظ الشكل النهائي لنصه على الجهاز أيضا، فلم يعد لمخطوطات هذا النموذج من المبدعين أثر، لنفقد بالتالي جزءا من مخطوطات لا تقدر بثمن، ولغاية هذا اليوم تظهر مخطوطات غير منشورة لكتاب راحلين حديثا أو من أزمنة سابقة، وقيمتها المعنوية عالية جدا. فيما لو كانت تلك المخطوطات إلكترونية فلا قيمة لها مثل الورقية المكتوبة بخط صاحبها، وذلك لما يمثله خط الكاتب من قيمة تضاف إلى اسمه ومكانته.
لا يتوقف الأمر عند أمور بعينها، فالشهادات الجامعية بحالتها الورقية وما عليها من أختام، قد تزول مكانتها لو غدت إلكترونية، وكذلك لو وقعت الدول المواثيق والعهود بينها إلكترونيا، هل يظل لها تاريخيا القيمة المتعارف عليها ورقيا كمخطوطات؟
والفكرة ذاتها تنطبق على مراسلات الشخصيات الكبيرة ـ سياسيا واقتصاديا وأدبيا و.... ـ التاريخية أو المؤهلة لدخول التاريخ، إذ شتان ما بين كونها ورقية أو إلكترونية.. ولو نظرنا إلى المراكز المهتمة بالتراث والمخطوطات لوجدناها تحتفظ بالأصل الورقي، ولديها عنه نسخة إلكترونية أو أكثر، فما زالت قدرات الورق على البقاء أقوى من النسخ الإلكترونية، وليس قريبا ذلك اليوم الذي ينزاح فيه الورق لصالحها، فالإشكالية أكبر من طرح، والتبعات أكثر من أن تعد.