لا أستطيع أن ألوم كامرأة الفلاحة المصرية التي تغني قائلة "لما قالوا جالك ولد اشتد عودي وانفرد"، ربما لأنها وثقت من أنه أصبح لها سندا قويا تستند إليه عندما تبلغ من الكبر عتيّاً، وسط مجتمعات عربية تحول المرأة لكائن ضعيف لا يعتمد عليه، ولا يمكّن حتى من الاستفادة من قدراته التي أعطاها الله إياها. الشيء الوحيد الذي تخبرك به الآثار المروية أنك ستجني منها ما هو متعلق بالآخرة، أما في الدنيا فلن تكون مسروراً برؤية هذا الكائن الجميل المسمى ابنة، وهو يقطع جزر الطرق ليستوقف لك تاكسياً وينقلك إلى المستشفى مثلاً، أو وهو يتعامل مع سائق يملي عليه شروطه ويعجزه برواتبه ومسكنه، كما أنك ستظل تخشى عليه وهو يتعامل مع الرجال فيما يخصه أو يخصك في وسط غياب قوانين التحرش وثقافة ترى أن كل ما يعنيه هو أسوأ رغبات الإنسان المستترة، وحتى لو تجاوزت كل ذلك سيأتي من يضع العقبات في طرق رعاية ابنتك لك تماماً مثلما حدث لـ"شرعا".
في الاستراحة التي تجاور العناية المركزة في مستشفى الملك خالد قابلت "شرعا".. سيدة ثلاثينية، لاحظت أنها تبقى طوال النهار في الاستراحة ثم تغيب فترة الزيارة التي تمتد من الرابعة عصراً حتى التاسعة ليلاً، وفي تمام التاسعة تعود "شرعا" للاستراحة، تجلس على أحد كراسيها الباردة تقرأ القرآن ثم تنام، هكذا كل يوم، سألتها فانهمر دمعها غزيراً يائساً إلا من الله، قالت إن والدها الذي قضى عمره عسكرياً في الحرس الوطني وأصيب في عينيه وأصبح ضريراً ثم أصيب بجلطة في ساقه وسرطان في الرئة أدى إلى تنويمه في أحد أجنحة المستشفى مع مرضى آخرين، ولأن الله لم يرزقه سوى "شرعا" فإنها تمكنت من إصدار صك إعالة وهو يصدر من المحكمة لتقديمه لعملها كمعلمة، حتى تستطيع مرافقة والدها، لكن ما لم يخطر على بالها أن المستشفى ترفض تنويمها كمرافقة معه، لأنها فتاة والغرفة فيها ثلاثة مرضى، وفي كل يوم كن الممرضات يتناوبن طردها من جوار والدها؛ فتضطر للنوم في استراحة العناية المركزة الأقرب للجناح الذي ينام فيه والدها!
تقول لي "شرعا" إن الطبيب الاستشاري كتب في ملفه أنه يحتاج لمرافق وأنها راجعت كل مسؤول في المستشفى لكنهم رفضوا إعطاءها غرفة خاصة أو تنويمه في قسم النساء إذا كان وجودها في جناح الرجال ممنوعاً، وبخاصة أنه لا يرى ولا يتحرك، لكن لا أحد اهتم بموضوعها؛ فظلت كل يوم تنام في هذه الاستراحة وتبقى معه في فترة الزيارة، تقول: أغسل وجهه وأقرب الماء منه لأنه كثيراً ما يعطش في الليل ولا يجد من يسقيه، وأترك علبة المناديل وأطعمه وأغادر مستودعته الله عز وجل.
عندما تكبر في السن وتضعف يصبح أبناؤك جسدك وأنفاسك وقوتك وقدرتك؛ لذا ربما كان عليك أن تفكر بتبني ذكر في مجتمعات كهذه إذا لم يرزقك الله به، ففي قضية "شرعا" احتاجت لصك من المحكمة بشاهدين ومزكيين يجب ألا يكونوا من أقرباء هذا الأب، ولك أن تتساءل: كيف لامرأة أن تعثر على هؤلاء الأربعة ثم تراجع المحكمة بهم جميعاً حتى يشهدوا لها أنها الوحيدة التي تعتني بأبيها؟! أليس هذا شرطا تعجيزياً تضعه وزارة الخدمة المدنية أمام نساء يرغبن بالقيام بدور حقيقي في حياة آبائهن؟! وبالمناسبة هذا الشرط يخص الأبوين فقط، بمعنى أنها لا تحتاجه لو رافقت زوجها، أليس في هذا تناقض عجيب؟!
تقول لي "شرعا" لا أملك واسطة ولا أجيد الاستجداء، أقول لهم: كم مرة سقط من سريره! كم مرة اتسخ وجهه ولم يستطع أن يمسحه! كم مرة عانى من ضيق تنفس ولم تكن الممرضة بجواره! كم مرة بقي عطشاناً طوال الليل لا يجد من يسقيه ماء! لكنهم في المستشفى يردون: أحضري رجلاً ليرافقه!!
في الواقع الشرع يرفض تكليف الإنسان ما لا يطيق بصفة عامة، فكيف لو كان هذا الإنسان امرأة ومجرد موظفة ذات دخل محدود، تنفق على سائق تطعمه وتسقيه وتسكنه وتدفع له راتباً وأيضاً يكلفونها بمرافق لأبيها في الوقت الذي يمكنها أداء هذا كله دون أن يشاركها رزقها أحد، أي ظلم هذا؟!
إن القوانين وضعت لتسهيل حياة الناس لا التضييق عليهم، وليس أسوأ من قوانين تحرم المرأة من بر والديها لمجرد أنها ليست رجلاً.