لم نبل بعد من حادثة الابنة لمى الروقي، حتى فجعنا المقطع الصادم للتحرش الجبان الذي قام به شاب مجرم تجاه طفلة بريئة.
استمعت إلى مستشارين ومستشارت في قضايا الأسرة، يعلقون على المقطع، وهالتني قصص سوداء سردوها بكل حرقة. لم أصدقها لو لم يحلف قاصوها بوقوعها، وأنهم كانوا مباشرين لتلك الحوادث الأخلاقية المؤلمة.
لنعترف بأن التحرش الجنسي وصل إلى حدّ الظاهرة في مجتمعنا، وما ظهر على السطح هو رأس جبل الجليد الطافي فقط، ولا يعرف حقيقة وتوغل هذه الآفة الخطيرة، إلا المحققون الأمنيون والقضاة ورجال الحسبة، التي تقع مئات القضايا في أيديهم، فضلا عن أن ثقافة العيب "الخاطئة" تحدّ كثيرا الآباء عن الإبلاغ.
الحديث متشعب في هذا الموضوع، ولكن يهمني تسليط الضوء على أربعة جوانب، تتصل بشكل رئيس بقضية التحرش الجنسي، أولها: ثقافة العيب التي ينظر بها المجتمع، وتعتبر المتحرَش بهم أو المغتصَبين جناة لا ضحايا للأسف، فهذا طفل سعودي في الخامسة من عمره، يتعرض للاغتصاب من عامل البقالة الوافد، ويعود للبيت وهو يبكي والدم ينزّ منه، فتوبخه جدته لماذا لم تدافع عن نفسك؟ أية ثقافة هذه، وأية مأساة مضاعفة يتعرض لها هذا الطفل المسكين، بل الأدهى أن يلملم الآباء القضية، ليستروا على بناتهم أو أطفالهم، دون أن يتقدموا بالشكوى للجهات الأمنية، وهو ما يفاقم المشكلة، ويجعل هذا المتحرش المجرم يستمرئ إجرامه في ضحايا جدد.
من الضروري هنا خلق ثقافة التبليغ، والتنادي بذلك عبر توعية الآباء والأمهات بضرورة حماية الأطفال، وتشجيع الطفل أو الفتاة على الإبلاغ لا السكوت والرضوخ للابتزاز، وأن يسارع الآباء إلى الإبلاغ عن الجريمة وعدم السكوت مهما كان فاعلها قريبا، واعتبار هذا الأمر واجبا ومسؤولية، وأن الآباء سيكونون تحت طائلة المسؤولية المجتمعية والقانون إن هم قصروا في ذلك.
الجانب الآخر، يتعلق بوجود قوانين صارمة بحق هؤلاء المجرمين أو المتحرشين، وأسوق هنا ما قامت به وحدة استطلاعات الرأي العام في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، حيث أبانت أن ثمانين في المئة من السعوديين يرون غياب القانون سبباً لـ"التحرش الجنسي"، وأن المجتمع السعودي يرى أن ضعف آلية تطبيق عقوبة "الشرع" يزيد من حالات التحرش.
وإذ بشرنا عضو مجلس الشورى الصديق ناصر الداود -حسبما نشر في "الوطن"- بأن مجلس الشورى انتهى من صياغة "نظام التحرش"، وأنه حدد عقوبات صارمة عليهم، حيث السقف الأعلى للعقوبة خمس سنوات سجنا وغرامة نصف مليون ريال، وترك تحديد الحكم والعقوبة للقاضي بحسب تفاصيل القضية المعروضة ومجرياتها. نأمل هنا أن يتم سريعا إقرارها من الجهات المسؤولة، كي تطبق بفورية لا تقبل التأجيل، فإن عصا القانون تجاه هؤلاء، أقوى رادع لهم، ولا أدري هل التشهير بهم في الصحف إن تكرر منهم وارد في ذلكم النظام أم لا؟ ولكن برأيي أن نشهر لمن تكرر منه، ليكون عبرة وآية لمن خلفه من المجرمين.
الجانب الثالث في هذه القضية، دور وزارة التربية والتعليم. وإذ تحاورت مع زملاء وزميلات في التربية والتعليم حول تدريس مقرر للثقافة الجنسية، بما طالب به كثير من المستشارات الأسريات اللواتي رأين أهمية ذلك، مستشهدات بطفلة المصعد، وكيف كانت مستسلمة للمجرم الذي قادها إلى المصعد، وهي لا تدري أبدا ماذا سيُفعل بها.
ثمة أصوات لتربويات خبيرات اعترضن على تخصيص مقرر كامل للثقافة الجنسية، وأن الفشل سيكون مصير هذا القرار، اتكاء لتجاربنا في مقررات التربية الوطنية وغيرها، ورأين أن تحقن في مواد الفقه والأحياء والتربية الوطنية.
في كل الأحوال، اتفقت الأصوات على أهمية إدراج موضوعات التحرش وكيف يحمي الطفل نفسه، وكيف يبلغ في حال تعدي أو تحرش أحد به، فضلا عن أن يعرف بأسلوب تربوي مراع لعمره، أجزاء جسمه التي لا يحق لأحد لمسها. هناك مادة مثل "المهارات الحياتية" من الممكن أن تستوعب موضوعات الثقافة الجنسية، ويصطف معها موضوع السلوكيات المنحرفة كالعنف والمخدرات والجنس الثالث والبويات، وتبيان المخاطر والآثار السيئة على الفتاة أو الفتى.
تلقف الثقافة الجنسية عبر خبراء التربية، ومعلمين خضعوا لدورات مركزة فيها؛ أفضل كثيرا من أن تتلقفها أجيالنا من الفضائيات الإباحية أو القصص والروايات الخليعة أو مواقع التواصل الاجتماعي التي تعجّ بالمنحرفين أو مقاطع "الواتس آب" التي تروج في أجهزة الجوالات.
ونأتي إلى جانب هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي معنية بدور كبير في هذا الموضوع، إذ قامت بجهود مشكورة ولا تزال في قضايا الابتزاز، وحماية فتياتنا -اللواتي عثرن في مراحلهن العمرية- من ابتزاز الوحوش البشرية، وإخضاعهن لنزواتهم المريضة، فمن الممكن أن تقوم بدور بناء، عبر إقامة ملتقيات كبرى للتعريف بجرائم التحرش، والكيفية التي تحمي بها الفتيات أو الفتيان أنفسهم من التحرش، والسبل التي يستطيعون التواصل فيها مع أعضاء الهيئة، إن لم يستطيعوا مفاتحة آبائهم.
التحرش الجنسي بالأطفال قتل لروح الطفولة، وحرق كامل للبراءة، دعونا نقف بكل صلابة وقوة لردع الوحوش البشرية هؤلاء.