يتكئ كثير من الدعاة والمشائخ والمحتسبين على قاعدة "سد الذرائع" في بعض المستجدات التي تطرأ على المجتمع، والتي يتوقعون منها أن تؤدي إلى مفسدة، ولذا وقفوا موقفاً ممانعاً من كثير من القضايا، خاصة فيما يتعلق بالمرأة وعملها وتنظيمه، وتكون هذه القاعدة محل العناية والقناعة والترويج من هؤلاء الإخوة، إلا أن هذه القاعدة التي يتحمس لها في مواضع تغيب في مواضع أخرى، فهي تضيع في كثير من الأفكار التي تبث بين الشباب، خاصة تلك التي تتعلق بمسائل "الجهاد والقتال والشؤون العامة"، إذ ثمة خطاب تحريضي يدعو الشباب إلى القتال والجهاد دون أدنى مراعاة لهذه القاعدة، والتجارب التاريخية والواقعية في هذا الباب كثيرة، فكثير من الشباب دخل في أتون أفكار الغلو والتطرف وذهب إلى أماكن ملتهبة وملتبسة وتسيطر عليها قوى عالمية استخباراتية وجماعات قتالية خارجية متطرفة بسبب خطاب تحريضي لم يعمل قاعدة "سد الذرائع" التي تعمل فيما هو أقل خطورة دينية ودنيوية من ذلك.
الكلمة سلاح خطير، وهي تفعل في الأنفس الأفاعيل، كيف والنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبرنا بأن العبد (ليتكلّم بالكلمة -من رضوان الله- لا يلْقي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة -من سَخَط الله- لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم). والكلمة كذلك يقولها الشيخ والداعية والإعلامي لا يلقي لها بالاً تغري الناس بالتصرفات الخطيرة التي يروح ضحيتها مهج بريئة زج بها في أتون معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل، فالنية الطيبة لا تكفي ليكون العمل صواباً، وكم من صاحب نية حسنة يذهب ليقاتل تحت راية عمية جاهلية، أو ينصر فكرة هي أخطر على الإسلام من فكرة من يقاتله ويتحمس لجهاده.
هذا السلوك في إلقاء الكلمات التي لا يحسب لها الناس حساباً، أصبحت ظاهرة في المجالس، فكثير من الناس اليوم يبدي في المجالس حالة جهادية لفظية واستعراضاً بالقوة والشجاعة والإقدام على نقد الظواهر السياسية والذوات والواقع بحماسة وجرأة كبيرة، دون أن يراعي حال المخاطبين الذين ينقلهم من حالتهم الطبيعية إلى حالة "حنقية" على واقعهم، فتجد الشاب الطيب الهادئ المبدع المواظب على واجباته اليومية، المتفاني في صناعة نفسه وذاته، الحريص على تحصيله العلمي ينتقل فجأة ليكون كائناً سياسياً متشنجاً ومتوتراً وحانقاً على مجتمعه، قد تغيرت نفسيته على من حوله بسبب الضخ العاطفي والكلامي الذي يضخم في وعيه الأخطاء، ويقلل في وعيه المنجزات حتى تسود الدنيا في عينيه، فينقلب على بيئته ومحيطه، وينكسر عنده حاجز الأدب حتى يتجرأ على والده أو شيخه ومعلمه أو إخوانه وأحبابه، هذا إن سلم من تطور هذه الحالة الجديدة ودخل في فكر "التكفير" والنقمة على كل شيء حوله، مبتعداً عن واجباته الضرورية، مهملاً وضعه الخاص ومنشغلاً بالحالة العامة، الأمر الذي يعطله عن البناء الذاتي والإبداع المعرفي.
إن هذا الخطاب الذي يتلقاه الناس من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، والقنوات التحريضية، وأهل الأجندات الذين يشتغلون على مخاطبة العقل اللاوعي هو الذي يصنع مثل هذه الحالات الغريبة، ثم نجد من العقلاء والمفكرين والدعاة والمهتمين بالشأن العام وبعض أهل المسؤولية من يسهم في ترويج هذا الخطاب دون إدراك لخطورة مآلاته على المجتمع، مغفلاً قاعدة "سد الذرائع" المدخرة فقط لبعض الممارسات الحكومية الرسمية.
وهذا الخطاب كذلك هو الذي جعل شبابنا وقوداً في مواقع كثيرة، يباعون ويشترون لحساب قوى تريد بنا الشر، وفي نفس الوقت نجد أن محرضيهم يتنصلون من خطابهم الذي صنعوه بمجرد أن يقع الفأس بالرأس، إذ لم نجد من هؤلاء المحرضين من يبادر ليتبع القول العمل، فإذا رأوا أن خطابهم قد أثمر ثمرة مرة نكدة فما عليهم سوى أن يقولوا: كانت تجربة ومرت.. ثم يستمرون في طريقهم دون أن يحاسبهم أحد على فعلهم المشين وخطابهم المحرض.
إنه لا ينبغي أن يكون شبابنا، ومجتمعنا، ومستقبل بلدنا مجالاً خصباً لأهل التجارب السياسية، خاصة حين تدلهم الخطوب ويكثر الأعداء ومخططاتهم، ثم يتحول الخطاب المرجو منه الإصلاح إلى خطاب يمهد الأرض لأهل الأغراض الخبيثة الذين يريدون ببلادنا شراً، ويهيئون النفوس لتكون مستعدة لاستخدامها في إهلاك الحرث والنسل بعد أن يتعرض شبابنا إلى حالة من التهييج الذي أصبح ظاهرة في المجتمع دون أن يكون ذلك مبنياً على أسس علمية وعقلية هادئة، بل هو مبني على الحماسة الموتورة، والدعاوى الفارغة التي تتكئ على حدثنا "الواتس أب"، وأنبأنا "تويتر"، وقال لنا "الفيس بوك"، معتمدين في ذلك على حق قليل وباطل كثير، فيلبسون الحق بالباطل ويضلون الناس على علم، وبلا وعي ولا هدى ولا كتاب منير: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).