يطلق البعض على التحرش من باب التخفيف "المعاكسات"، ولا شك أنه ظاهرة انتشرت في الشارع السعودي، حتى أن المرء ليظن أن لا عمل للشاب السعودي ولا همّ له غير التحرش بالنساء في الشوارع والأسواق!
ما نراه في الشوارع من تهور بعض الشباب لملاحقة ومعاكسة فتاة في سيارة أخرى، مثل عكس اتجاه السير، وقطع الإشارات والقيادة بجنون وعدم المبالاة من دون احترام وتقدير لآداب الشارع وحقوقه وبقية سالكيه، يعطي انطباعاً سلبياً تجاه شبابنا، وسلوكهم واهتماماتهم، وتلك صور مشاهدة في أغلب شوارع السعودية وبشكل شبه يومي.
أعرف أن كثيرين يرفضون إطلاق صفة "ظاهرة" على مشاهد التحرش في السعودية، ذلك أن أية سلوك أو أحداث تحتاج لتوفر كثير من الشروط العلمية والموضوعية حتى يطلق عليها "ظاهرة"، وفي مقدمتها المعلومات الإحصائية الدقيقة، لكن في المقابل، لا يستطيع أحد أن ينكر بأن مواقع التواصل الاجتماعي حفلت وتحفل بعدد هائل من مقاطع الفيديو التي ترصد حوادث التحرش من مختلف مناطق المملكة، وفي مقدمتها مقطع حادثة معاكسة فتيات الظهران الشهيرة، ما يؤكد أن التحرش أصبح شبحاً يسكن شوارع وأسواق السعودية، ويطارد النساء متى ما خرجن للشوارع، ويسي للشباب السعودي بمختلف أطيافه؛ ذلك أن انتشار مظاهره في الشوارع والأسواق وأماكن الترفيه بهذا الشكل اللافت، يجعله "ظاهرة" يتقاعس عن مجاراتها المختصون في علم الاجتماع، والدارسون لعلم الجريمة بشكل عام، وهذه الجريمة بشكل خاص، فما نشاهده للأسف يعكس مباشرة تراجع القيم الأخلاقية لدى شبابنا الذين هم جزء مهم من المجتمع، إضافة إلى ضعف المناهج الدراسية عن مجاراة هذا الأمر، وكذلك غياب التوجيه الأسري ودور الأسرة في تربية الأبناء.
كل مشكلة تبدأ صغيرة ثم تكبر حتى تصبح ظاهرة وأزمة، إن لم تجد الاهتمام والمعالجة اللازمة والمطلوبة، لذلك وبغض النظر عن كون التحرش أصبح ظاهرة أم لا يزال مشكلة صغيرة، فإن المطلوب اليوم أن تتضافر الجهود من الجهات المعنية كافة لبذل المزيد من المتابعة والاهتمام والبحث عن الحلول التي تمنع تحول التحرش إلى ظاهرة، إن كان بالفعل لم يتحول بعد. أعتقد أن أول الحلول هو إيجاد التشريعات اللازمة التي تحد من تفاقم المشكلة وتضمن الحريات الشخصية والمحافظة على الآداب العامة، وهو ما بدأنا نلمسه بالفعل من خلال مشروع قانون طرح في مجلس الشورى لمكافحة هذه الجريمة، إضافة إلى نشر الوعي والتثقيف القانوني بكيفية التعامل مع مثل هذه الحالات والمواقف، كما أن على هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جانباً مهماً، يتمثل في تدريب وتأهيل كوادر سرية تعمل على الانتشار وضبط الحالات بالتعاون مع وزارة الداخلية، وفق التشريعات والضوابط التي يتم اتخاذها لضبط ومعاقبة المتحرشين والمتحرشات، خصوصاً أن أغلب هذه القضايا لا تجد طريقها للمحاكم بسبب الخوف من الضرر الناتج عن التبيلغ عن مثل هذه الحالات.