كلنا نحترم أهل الدين، وهم على رؤوسنا من فوق، وهم دعاة حق، ووجودهم ضمانة أخلاقية وعقائدية للمجتمع، ولا يسبهم ولا ينتقصهم، ولا يُطالب بإقصائهم عن الإعلام، إلا قاصرو العقل والدين.

أقول هذا الكلام، حتى أبدو واضحا من البداية، ليُفهم ما أقوله في شكله الصحيح.

ما دمت قلت ما قلت، فسأدخل إلى لب الموضوع، وأقول: ما يحدث من تكاثر مخيف، لكثير ممن أخذوا الدين لباسا على غير حق، في قنواتنا الفضائية، ممن امتهنوا الأشياء التالية: الفتوى، وتفسير الأحلام، والرُقية، دون علم، أو تصريح من هيئة كبار العلماء، لهو شيء مخيف، ومؤلم، لكل من له غيرة حقيقية على دينه، وقدسية هذا الدين.

سأترك حكاية الرقية وتفسير الأحلام في الفضائيات إلى مقال قادم، ولكن ما يهمني هنا، هو انتشار ما يُمكنني أن أسميه بالفتوى الفضائية، في زمن يُمكنني تسميته بزمن المُفتي الفضائي.

الفتوى الشرعية خط ديني أحمر وكبير، ولا مجال فيه لممارسة لعب، أو الاستهانة بقضية الافتاء، وأذكر هنا القرار الحكيم والشجاع من الملك عبدالله، في تحديد وحصر قضية الإفتاء، في شخوص هيئة كبار العلماء فقط دون غيرهم.

ما نراه الآن مخجل جدا، إذ كل من أطال لحيته وحفظ شيئا من كتاب الله وأحاديث رسولنا الكريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ تعاقد مع إحدى الفضائيات بمبلغ وقدره، ثم بدأ في استقبال اتصالات المُستفتين من المُشاهدين، وهو رجل دين غير معروف وغير مُعتمد من هيئة كبار العلماء، والمُحزن أنه لا يوجد رادع إعلامي أو ديني لمثل هؤلاء.

الفضائيات تريد اتصالات ومعلنين، ولهذا تروج لمثل هذه البرامج، ومن يتصدون للفتوى فيها يريدون مالا، والمُشاهدون البسطاء يريدون فتوى في دينهم، دون وعي منهم بمن يتصلون به ويستفتونه، ودون علم بحقيقة علم هذا الرجل، والدين هو الغريب في كل هذه المعادلة المُحزنة.

على المُفتين الفضائيين، من غير أهل الاختصاص، أن يعرفوا أن أسرع الناس إلى الفتوى، أسرعهم إلى النار.