يفلح المخيال الاجتماعي حين ينعتق من حواسه الميتة والمهترئة، ويتجه صوب التأمل في منظوماته الحياتية وآفاقه المعرفية، داخل اللحظة المرسلة التي يعيشها، فعندما أغدق علينا "الآخرون" بهذا الطوفان من المكتسبات الحضارية، بكل امتداداتها الكونية الضاجة بالإبهار والدهشة، والعنفوان والحصار العقلي والعصف الذهني، فقد أربكوا دواخلنا، وفوضى تناقضاتنا، وهياج سلوكنا المترع بالشروخ والخلخلة، وتفاقم الإحساس العبثي بكيفية التعامل مع هذا المد الحضاري المحتدم، الذي أفصح عن عمق المسافة بين المبدع والمستهلك، وبين البارع في صنعته وذلك المتلقي في خيبته، ولنضرب مثلا شرودا لخدمة "الوسائط" التي أصبحت جزءا من تفكيرنا واحتياجنا اليومي والمعيشي، بكل تداعياتها الحارقة وآثارها الخطيرة على المجتمع، حين تحولت أداة قمع وتدمير وغدر وسخرية وتهكم وتسلط أهوج، وهراوات دامية مسلطة على رقاب ورؤوس البشر، فهي في حالة تماس يومي مع الناس في مواقفهم وشخوصهم، أملا في القبض عليهم داخل الصورة لتفشيلهم، ومغالبتهم وامتهانهم واستحضارهم سعيا لتجريحهم، والتلذذ بإشاعة أزماتهم وكارثية لحظتهم التي اعتقلتها الوسائط لترسلها إلى ما وراء أعالي البحار، وتموضعها داخل كل جمجمة، وتحيلها إلى حكايا ومسامرات، ولتتحول إلى وثيقة تاريخية واجتماعية بائسة، وكأن جامع تلك اللحظة ومخرجها لم يدرك منسوب الفجيعة الصادم، وتشوفات فعلته النكراء، وعاقبة انتصاره التنكبي، فما ذنب شيخ طاعن في السن عاش رمزا وقيمة ووقارا بين قومه، اهتز عليه الموقف وتعثرت كلماته أو خطواته أمام ركام من البشر فسقط من حديثه شيء أو زلت قدمه الواهنة؟ ما ذنب أب مفجوع وأم مطعونة لتأتي الوسائط فتستعرض فلذة كبدهما، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة على قارعة الطريق مضرجا بدمائه وليسير بمشهده الركبان؟ كم غالبني الدمع وأنا أبصر ذلك الأب المحطوم، وهو يسعى لتلقين بناته الشهادة، ويصرخ حينها في الوجوه الشوهاء ليتوقفوا عن تصويرهن، دون اعتبار لجلال الموت ورهبته، ما هذا التبلد والهوس والميل إلى الفضائحية؟ وما المبرر والمسوغ لمثل هذه التشوهات المضللة، والغوايات الجارحة والتشفي والعبث بالعلائق الإنسانية؟ أعلم أن هناك من يرى غير ما قلت وينظر ويحدق في الجانب الإيجابي للصورة، وتعاظم دورها في الكشف عن المستور من عيوب المجتمع، وما ينتظمه من تجاوزات واختلالات وظواهر سلبية، فيكرس التفاتاته ذات المنحى الإصلاحي، أملا في إصلاح عطبها مما ينم عن التفاعل والتواصل مع قضايا المجتمع وهمومه، وهذا لا يختلف عليه اثنان، ولكن الوسائط المتقاطرة كأمطار "السودة" غلبت على هذا الهدف النبيل، وأكلت لحوم الناس، وسفهت مشاعرهم، وابتذلت كرامتهم، واقتحمت خصوصية حياتهم، وجعلتهم مائدة مستباحة للتندر والإضحاك.. فماذا نحن فاعلون؟.