لو سئلت خلال الأشهر السابقة التي تلت سيول جدة عن أسوأ جهاز في المملكة من حيث التسيب والفساد المالي والإداري لقلت ربما إنه أمانة مدينة جدة، وليس ذلك لأني مطلع على حقيقة الأوضاع فيها، ولكن استناداً على كل ذلك النقد الشديد لأداء الأمانة وأداء مسؤوليها بعد كارثة السيول.
ولو سئلت عما يحتاجه المسؤول الجديد في أي جهاز ليعرف مواطن الضعف بل والمرض ويبدأ العلاج ويحقق نتائج إيجابية مقبولة لربما قلت سنتين أو ثلاث سنوات.
المهندس عادل فقيه الذي صدر الأمر الملكي الكريم بإعفائه من مسؤوليات أمانة جدة وتعيينه وزيراً للعمل كان عندما حصلت كارثة السيول في جدة وانكشف المستور قد أمضى في العمل أميناً لجدة أكثر من خمس سنوات، واتضح من خلال ما نشر أن بعض المسؤولين الذين وجهت لهم الاتهامات في الأحداث كانوا يعملون مع المهندس عادل في الأمانة، مما يعني أنه لم يكتشف الخلل أو اكتشفه ولم يعالجه، أي أن فترة الخمس سنوات لم يكن لها أثر بارز في اكتشاف مواطن الضعف والخلل ومعالجتها. هذا ما يبدو للمتأمل من خلال ما كان ينشر عن أحداث جدة، وهذا بالتأكيد يوجد انطباعاً غير إيجابي عن الأمانة برئيسها ومرؤوسيها، ولذلك فقد كان تعيين المهندس عادل وزيراً للعمل بهذه الخلفية التي في ذهني أمراً لافتاً بالنسبة لي وربما بالنسبة لغيري، ليس بالطبع نتيجة لما أعرفه عنه، فليس لي معرفة به، ولم يسبق أن حصل بيننا اتصال من أي نوع، ولم يسبق أن كتبت عنه، ولكن كان ذلك – كما ذكرت – نتيجة للخلفية التي تكونت عنه في ذهني تأثراً بما كان ينشر في الإعلام بعد الأحداث، وكذلك نتيجة لمعلوماتي المتواضعة التي تقول إن المسؤول ينقل من مسؤولية إلى أخرى أعلى وأكبر منها عندما يحقق إنجازات لافتة في عمله ويثبت جدارة على أرض الواقع والمهندس عادل كما صور الإعلام ليس فقط لم يفعل ذلك بل ربما كان العكس هو ما يستنتج مما كان ينشر، كما أن مما جعل التعيين في وزارة العمل يكون لافتاً أن وزارة العمل بكل ما فيها من قضايا شائكة تتعلق بالتأشيرات تتطلب شخصاً حاسماً حازماً شديد الصلابة في وجه التدخلات والمصالح الشخصية، والانطباع الإعلامي عن واقع الحال في أمانة جدة - حيث كان يعمل المهندس عادل - عكس ذلك حيث إن داء المجاملات والمصالح الشخصية كان يسرح ويمرح وكان هو المرض الأكبر الذي أدى إلى خراب (جدة) كما يتضح من خلال ذلك الكم الكبير الذي كان ينشر في وسائل الإعلام تباعاً بعد الأحداث.
الآن وبعد صدور الأمر الملكي بالتعيين بدا واضحاً تماماً أن الصورة التي رسمها الإعلام في ذهني للمهندس عادل ليست هي الصورة الموجودة له في أذهان أصحاب القرار، بل هي على النقيض فيما يبدو، ولأنه لا شك عندي أن الصورة الصحيحة هي التي في ذهن متخذ القرار وليست تلك التي في ذهني، فقد أخذت أراجع معاييري والنتائج التي خلصت إليها تأثراً بما أستقيه من الإعلام، فهل أنا مخطئ في تحديد فترة الثلاث سنوات كمدة مقبولة لاكتشاف المسؤول الجديد مواطن المرض في الجهاز ومواجهة جراثيم المرض، وأنه حتى السنوات الخمس ليست كافية ولا يسأل المسؤول عن بقاء دواعي المرض باقية كما هي حتى بعد تلك المدة الطويلة، أم أن ما نشر آنذاك عن واقع الحال في الأمانة غير صحيح، وأنها في وضع أفضل من غيرها من أجهزة الدولة لكن الكارثة وتسليط الأضواء القوية الساطعة أوضحت البثور والندوب بينما لم تتضح الحفر والأخاديد في الأجهزة الأخرى لبقائها تحت الأضواء الخافتة..؟؟ أم أن هناك اعتبارات أخرى لها علاقة بالدكتور غازي القصيبي رحمه الله الذي سبق أن قال لي قبل فترة مرضه بفترة قصيرة إنه قد قدم استقالته من العمل، وقد يكون قد سئل عن رأيه في البديل فرشح المهندس عادل فقيه ربما لاعتبارات مقنعة لديه قد يكون من ضمنها تلك الاستراتيجية التي سبق أن قرأنا أن المهندس عادل قد قدمها للدكتور غازي وأن الوزارة بدأت بتنفيذ أجزاء منها، ومما يرجح هذا الاحتمال السرعة التي تم بها تعيين المهندس عادل بعد وفاة الدكتور غازي رحمه الله.
على أية حال ليس هذا مهماً، فالمهم أن تلك الصورة السلبية في أذهان الكثيرين عن المهندس عادل التي شكلها ماضيه الإداري في أمانة جدة وكارثة السيول التي حصلت – حتى لو كانت تلك الصورة غير صحيحة – أقول هذه الصورة الآن في رأيي هي التحدي الأكبر لمستقبله لأن المهندس عادل على إدراك ووعي بها، وستجعله يحرص أشد الحرص على تغييرها من خلال النتائج التي سيقدمها للناس في عهده الجديد وزيراً للعمل، ونحن نقول: رب ضارة نافعة، فقد تكون تلك (الضارة) حافزاً كبيراً للمهندس عادل للنجاح الكبير، وأعتقد أنها ستكون كذلك بإذن الله.