تحدثنا في المقال السابق عن مشكلة المجتمعات العربية والإسلامية مع التنظيمات الدينية المنضوية تحت مسمى "الصحوة الإسلامية"، التي أعادت تأويل النصوص لتوظيف الدين في الفكر الاجتماعي من أجل السيطرة على المجتمع؛ مما كان له دور في زعزعة المجتمعات ومحاولة العودة بها إلى حالة أكثر تخلفاً مما هي عليه، وهذا ما يدعو إلى "القطيعة" المعرفية، وهي-كما يقول عنها الدكتور هاشم صالح- التخفف من أثقال الماضي، بمعنى نقده والتخلص من شوائبه.

والصحوة هي فكر سياسي يصطبغ بصبغة دينية، وهي الوجه الآخر لحركة "الإخوان المسلمين"، لذلك ارتبطت به عبر زعاماتها، وأخذت شكلاً شبيهاً بالتنظيم السياسي، ونتيجة لمحافظة المجتمع وعاطفته الدينية فقد انصب تأثير "الصحوة" على مهاجمة كل ما يهدد أهدافها السياسية، وإن أخذ العمل الاجتماعي جل اهتمامها، من خلال العمل الخيري والوعظي، وبما أن التاريخ لا يستمر على وتيرة واحدة؛ فإن الأفكار الدينية المتطرفة رغم بقائها زمناً طويلاً دون نقد ومراجعة، فقد أتاحت حادثة سبتمبر 2001، هامشاً وفرصة لإعادة النظر في الخطاب الديني من داخله وخارجه، فكان رفض توظيف الدين لصالح تحقيق مكاسب سياسية أبرز سمات النقد الموجه إلى هذا الخطاب، وذلك نتيجة تضخّم "الصحوة" ومحاولتها السيطرة فكرياً على المجتمع والتفرد بالساحة الفكرية والثقافية.

ورغم موجة "المراجعات" والتراجعات التي مرت بها بعض القيادات للتيارات السياسية الإسلاموية، فإن القليل من زعماء الصحوة مروا بهذه الموجة وأعلنوا التراجع عن أفكارهم من خلال استبدالها بأفكار أخرى متسامحة، دون إيضاح ماهية الأخطاء المنهجية التي ارتكبوها، ودون نقد لفكر الصحوة وإن كانوا تراجعوا عن بعضه، وبذلك استمر الفكر على طريقه في تحقيق أهدافه السياسية وإن بطريقة التحوّل والتلوّن، وكل ما أصاب أبناءنا منذ عقود هو نتيجة طبيعية لسيادة ذلك الفكر الذي يغذي المجتمع بالتطرف، وجيل الصحوة اللاحق من الشباب هو الجيل الذي تبنى عمليات "الإرهاب" داخل بلادنا وخارجها، وهذا أمر جدير بالتوقف أمامه كثيراً؛ لأن الأزمات السياسية من حولنا تفرز الخطوات والأحداث نفسها مع تغير الأشخاص، ولو تتبعنا ما أفرزته الصحوة بعد عام 1990 لوجدنا أنه رغم سيادة النقد ما زالت الأفكار المتطرفة موجودة، وتأخذ جوانب اجتماعية أحياناً، وما زال دور فكر الصحوة كبيراً في تأجيج المشاعر سواء لمهاجمة شخص ما أو فعالية ثقافية أو نظام الدولة ذاته بطريقة كتائبية، كما حدث في كثير من الفعاليات الثقافية خلال العقد الماضي.

بل إن أهم المشاريع الوطنية غالباً ما تحظى بالمهاجمة، وليس آخرها برنامج الابتعاث الخارجي و"كاوست"، ويبدو أن الهدف هو تقويض قدرة الدولة على تطوير المجتمع، ومحاولة التدخل بقراراتها السيادية، وخاصة أن المجتمع نفسه منذ عقد بدأ يرفض هذا الفكر المتطرف، ويرتكز إلى الأمل في التطوير وصناعة حياة كريمة، وهذا ما أصاب هذا الفكر بالضجر لعقود، إلى أن بدا التناقض واضحاً من خلال أنموذج يتمثل في رفض نوعية معينة من الفعاليات الداخلية-بمبرر الاختلاط- والاستجابة للمشاركة في الفعاليات الخارجية رغم وجوده.

ومع ضرورة وجود الحق في الاختلاف الفكري، وعدم أحقية أي فكر في إلغاء الفكر الآخر، إلا أن حتمية الصراع تكون حاضرة دوماً في ساحة اختلاف الأفكار، وهذا ما يدعو إلى ضرورة النقد المعرفي ليكون الرابح في النهاية ليس فكرا على حساب فكر آخر، إنما يكون الرابح هو المجتمع نفسه ليكون قادراً على التحرر من الاختطاف الفكري والاستقلال وفق استقرار الوطن وتنميته، ولا سيما أننا اليوم جزء مما يمر به العالم من تحولات، ولذا فإننا على مفترق طرق: إما العودة إلى نقطة الصفر حيث تكريس سيادة الفكر الأوحد القادر على أدلجة المجتمع وإعادة إنتاج التطرف، أو تحول المجتمع إلى الانفتاح المنضبط والتسامح الذي يتجه به إلى الاحتفاظ بقيمه وموروثاته الإيجابية.