المطرب الشعبي الذي سأحدثكم عنه، هو من نبت الشارع، ومن نجوم الظل، الذين لا يعرفهم الكثير من الناس، لكنهم في أفقهم الفني، مُبدعون بحق.

هو من جيل طلال مداح ومحمد عبده وعمر كدرس، ولكنه عاش فقيراً ومات فقيراً، عاش في الظل، ومات في الظل، عاش في شارع المنصور بمكة، ومات بشارع المنصور في مكة، ولا يعرف أغانيه، أكثر من أزقة مكة الفقيرة، حيث يختلط الفقر بالفن، والجوع بالغناء، والبساطة بالوتر، والمباهج الصغيرة جداً، بالحزن الواسع الكبير، في أعين الناس ومبانيهم وأغانيهم.

يندر أن تسأل شخصاً "مكاويّا"، من جيل الثمانينات وما قبلها بقليل، عن طاهر كتلوج، إلا ويعرفه، ومشكلة طاهر كتلوج الجميلة جداً، أنه كان يغنّي أغانيه الشهيرة، لأنه يريد أن يغني، ولم يغنّ لأنه يريد المال أو الشهرة، فعاش ومات فقيراً، إلا من أغانيه التي أخذت الطابع "المكاوي" في لغتها وهمومها وبساطتها، وهو من يكتب ويلحن ويغني، لأنه فقير المال، غنيّ الإحساس.

طاهر كتلوج عاش في الشارع، وغنى في الشارع، ومات في الشارع، وقيل إنه في آخر حياته كان يدندن مع العمالة البنغالية البسيطة في شارع المنصور بمكة.

رغم إحساسه العالي، ودندنته العذبة، وصوته المجروح الجارح، كحياته، إلا أن المغني الذي غنى مع طلال وعبده، بقي في الظل والفقر، يغني من كلماته وغماماته:

"أنا سواق متواضع

ودايم أخدم الركاب

أناديهم من الشارع

واباشرهم بفك الباب".

مات طاهر كتلوج، أحد أهم رموز الأغنية الحجازية الشعبية من وقت طويل، ولم يبك موته سوى مجموعة من ركاب سيارته، والعود الذي كان يدندن عليه.

ذلك العود الذي توقف عن الغناء، بعد أن توقف قلب طاهر كتلوج عن النبض.