هل تساءلت يوماً لماذا يبدو كثير من الحجاج غير قادر مالياً على إتمام حجه على نحو مريح، حضاري، وصحي؟ ولماذا يبدو بعضهم وقد تقطعت به الأسباب وتُرك لمواجهة ظروف الحج دون عون أو مورد مالي؟ هل تساءلت لماذا يتجشّم هؤلاء الحجاج مشقّة السفر ويقومون بأداء فريضة شرطها الاستطاعة، وبالتالي لا تجب على من ليست لديه الإمكانات المالية؟

بالطبع الأسباب كثيرة وليس هناك جواب واحد، ولكن في بعض الحالات على الأقل يبدو أن الفساد الإداري في بعض الدول الإسلامية مسؤول عن بعض هذه الظواهر، فالحجاج في معظم الأحيان يدفعون مبالغ كافية للجهات الحكومية والخاصّة التي يُفترض فيها خدمتهم وتيسير حجّهم وتوفير ما يحتاجون إليه خلال حجهم. ومن التحقيقات المثيرة في هذا المجال ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز هذا الشهر عن إساءة استخدام الأموال التي يدفعها الإندونيسيون الراغبون في أداء فريضة الحج، من قبل من وصفتهم الصحيفة، بمافيا الحج.

وكما هو معروف فإن هناك حصصاً محدّدة لكل دولة إسلامية وفقاً لعدد سكانها، ووفقاً لذلك، يتجاوز عدد الحجاج الإندونيسيين سنوياً مائتي ألف، ويشكّلون أعلى نسبة بين الحجاج (بعد المواطنين السعوديين)، ولكن هناك قائمة انتظار قوامها أكثر من مليون ومائتي ألف (1,200,000) إندونيسي، وهي قائمة في ازدياد مستمر.

وفقاً لهذا التحقيق، يُطلب من الراغبين في الحج دفع قسط مُقدّم من تكاليف الحج، وقد تراكمت هذه الأقساط بحيث بلغت نحو (2. 5) مليارات دولار، أي نحو تسعة مليارات ريال. وتبلغ تكلفة الحج بالتسعيرة الرسمية (3,342) دولارا، أي أكثر من (12,500) ريال للحاج الواحد، وهو ما يشكّل ثروة بالنسبة لمعظم الإندونيسيين هي حصيلة توفيرهم لسنوات طويلة.

ولكن هذه المبالغ التي تراكمت لا تصرف كلها على الحُجّاج، وفقاً لتقارير المنظمات الإندونيسية التي تحارب الفساد، مثل منظمة مراقبة الفساد الإندونيسية Indonesian Corruption Watch ورابطة الحجاج الإندونيسيين Indonesian Pilgrims Rabitah.

وحتى الهيئات الحكومية، مثل هيئة القضاء على الفساد Corruption Eradication Commission، ترى أن هناك ما يثير شبهة الفساد في كثير من الممارسات المتّبعة في تنظيم حج الإندونيسيين، وذكرت ما يزيد عن 40 إجراء مشبوهاً، "قد يؤدي إلى الفساد" ضمن الإجراءات المتبعة في إدارة شؤون الحج، وطالبت هذه الهيئة الجهات الحكومية بإدخال إصلاحات جذرية للقضاء على الفساد في هذا المجال. وبالمثل يُجري البرلمان الإندونيسي تحقيقات يسعى من خلالها إلى تحديد أبعاد هذه المشكلة. وقد كان هناك تحقيق رسمي- منذ سنوات- تناول إساءة استخدام المبالغ المودعة في برنامج الحج، أسفر عن إدانة عدد من الأشخاص، بمن فيهم موظفون حكوميون، ولكن المشكلة عاودت الظهور حسب تقرير نيويورك تايمز. وعلاقة المملكة بهذه المشكلة أنَّ المبالغ التي يدفعها الحجاج الإندونيسيون فعلاً تكفي وزيادة لتغطية مصاريفهم، إلا أنهم كثيراً ما يكتشفون، بعد وصولهم إلى الديار المقدسة، أن الصرف عليهم يتوقّف أو ينخفض بشكل كبير، بعد أن تكون المبالغ المخصصة لهم قد استُنفدت، مما يجعلهم: إما عالة على الحجاج الآخرين أو على الجمعيات الخيرية، أو على الجهات الحكومية السعودية. وقد اكتشف عدد من الإندونيسيين أنهم يستطيعون أداء فريضة الحج، في حالة تمكّنوا من الحصول على تأشيرة إلى المملكة، بتكاليف أقل وخدمات أفضل، حسب التقارير التي أشرت إليها. وتبلغ تكلفة الحاج المستقل نحو ألفي (2000) دولار، أو 7,500 ريال، أو حوالي 60% من تكلفة البرنامج الحكومي.

ولن أدخل في تفاصيل التهم التي توجهها المنظمات التي أشرت إليها، والصحافة الإندونيسية والغربية، ومدى صحتها، ولكن من الواضح أنَّ هناك إشكالاً تجب معالجته، فالفرق الكبير في تكلفة الحج بين الوسائل الحكومية والوسائل الخاصّة يدفع إلى التساؤل عن أسبابه، ويثير شبهة يجب التعامل معها.

وفي دول إسلامية أخرى تكثر الشكوى كذلك مما يُسمى "مافيا الحج والعمرة"، وهو التعبير الذي استخدمته صحيفة الأهرام المصرية منذ فترة لوصف تصرفات بعض الجمعيات التي تتخذ من تنظيم الحج والعمرة مصدراً للإثراء على حساب الحجاج والمعتمرين، فهي تدعي بأنها توفر فرصة الحج والعمرة بسعر التكلفة، ولكنها تكسب، حسب تقدير الصحيفة، أرباحاً قد تصل إلى خمسة آلاف جنيه للحاج الواحد.

وفي فرنسا، انتشرت أيضاً خطط التحايل على الحجاج، حسب موقع إسلام أون لاين (islamonline. com) وتتخلى شركات تنظيم الحج والعمرة سنوياً عن مئات، وفي بعض السنوات آلاف، من الحجاج الفرنسيين وهم في الديار المقدسة، وتتركهم دون مصروف، ودون رحلة للعودة، مما يضع هؤلاء الحجاج في مأزق حول كيفية إتمام مناسكهم، ثم العودة إلى بلادهم، ويضع الجهات الرسمية في المملكة وفي فرنسا في حرج موسمي حول كيفية حل هذه المشاكل.

إنّ لدى وزارة الحج ما يكفيها من الأعباء والمسؤوليات في محاربة الفساد في مؤسسات وحملات الحج المحلية، ولكن ربّما حان الأوان لتوجيه بعض جهودها للتأكد من صحة وسلامة الترتيبات التي تتم في الدول الإسلامية، لأن أي تقصير في هذا المجال سيزيد من أعباء الوزارة تجاه الحجاج والزوار القادمين الذين تتخلى عنهم المؤسسات الحكومية والخاصّة التي اعتمدوا عليها في تسهيل حجّهم.