الريادة في دول القرية الكونية نوعان: دول رائدة في تطوير ذاتها وتحسين أوضاعها وتنمية قدراتها ورفع شأن شعوبها، ودول رائدة في تحطيم مقوماتها والإخلال بحقوقها وترويع شعوبها والاستهتار بمبادئها.

الأخطاء الفادحة تفقد النوع الثاني من الدول مصداقيتها وتلقي بشعوبها في التهلكة هرباً من واقعها المرير، تماماً كما جاء في قصة عبدالملك بن قريب بن عبدالملك بن أصمع الباهلي، أحد أئمة الشعر العربي المعروف بالأصمعي.

في إحدى زياراته اليومية للبادية، جذب انتباه الأصمعي حجر مكتوب عليه بيت من الشعر:

"أيا معشر العشاق بالله خبروا

إذا حل عشق بالفتى كيف يصنعُ"

فكتب الأصمعي إجابته على الحجر:

"يداري هواه ثم يكتم سره

ويخشع في كل الأمور ويخضعُ"

في اليوم التالي عاد الأصمعي ليجد بيتاً آخر من الشعر تحت إجابته يتساءل: "وكيف يداري والهوى قاتل الفتى

وفي كل يوم قلبه يتقطعُ"

فكتب الأصمعي نصيحته في البيت التالي:

"إذا لم يجد صبراً لكتمان سره

فليس له شيء سوى الموت ينفعُ".

في اليوم الثالث فوجئ الأصمعي بشابٍ ميتٍ بالقرب من الحجر الذي كتب عليه:

"سمعنا أطعنا ثم متنا فبلغوا

سلامي إلى من كان بالوصل يمنعُ".

منذ ذلك الوقت تم إطلاق مقولة (ومن الحب ما قتل) على كل عاشق ولهان يائس من الحياة، لا يتوانى عن قتل نفسه للتأكيد على صحة حبه.

في نهاية عام 2013 أكد المؤشر العالمي للإرهاب، الذي شمل 158 دولة، أن أكثر الدول تأثراً بالإرهاب هي العراق وباكستان وأفغانستان واليمن والصومال ونيجيريا.

خلال العـشر سنوات الأخيرة سقط 33% من ضحايا الإرهـاب العـالمي في العـراق فقط، وبإضـافة باكسـتان وأفغانسـتان للعراق ترتفع هذه النسبة إلى 53%.

وبينما سقط في العراق خلال العقد الماضي مليون مواطن عراقي مُسلم على أيدي عراقيين مسلمين، استشهد في سورية 150 ألف مواطن مسلم وتشرد 3 ملايين آخرين على يد الشبيحة السورية المسلمة.

هذه الأرقام تعادل 65 ضعف عدد المسلمين الذين استشهدوا في حروب العالم العربي مع إسرائيل خلال نصف قرن، و82 ضعف الذين استشهدوا في الحروب الصليبية و91 ضعف الذين استشهدوا في حروب المغول والتتار.

واليوم ما زالت معظم الفضائيات الإعلامية العربية، التي فاق عددها 716 فضائية، تتشدق بعشق العرب لأوطانهم وغيرة المسلمين على دينهم، بينما ما زال بعضها يلوم الغرب على إشعال فتيل العنصرية والانتهازية بين مجتمعاتنا.

في نهاية العام الماضي أقرت المنظمات الدولية بأن الوطن العربي، الذي يشكل 3% من سكان العالم ويمتلك 7% من المساحة الزراعية في المعمورة المحتوية على 30% من ثروات الأرض، أصبح أكثر شعوب الأرض استنزافاً للمياه والطاقة والمواد الاستهلاكية.

في العقد الماضي فقط استورد الوطن العربي ما نسبته 60% من الشعير القابل للتصدير على مستوى العالم و19% من القمح و18% من الأرز و15% من السكر و40% من الأغنام الحية و11% من الأبقار و13% من الألبان و35% من بذور الزيوت.

هذا في الوقت الذي ينعم الوطن العربي بأفضل مزايا الوحدة الاقتصادية لأعظم مناطق التجارة الحرة في العالم، التي قلما نجدها في الأقاليم الأخرى، فالوطن العربي ينفرد باعتناق معظم شعوبه للدين الواحد ويتحدث بلغة الضاد الواحدة ويتميز بخصائص المجتمع الموحد، ومع ذلك ما زالت شعوبه تعاني من آفة البطالة بنسبة تفوق 30% ومن الفقر المدقع بنسبة تزيد على 41%، وما زالت مستويات التعليم والصحة والثقافة والبيئة والبحث العلمي والإبداع الفكري في التراجع والتقهقر، لتصبح معظم دول الوطن العربي مثالاً حياً للضعف والتخبط والإحباط والاتكالية، تماماً كما وصل الحال بالعاشق الولهان في قصة الأصمعي الذي آثر الموت على مهانة الحب.

جميع التقارير الدولية الصادرة مطلع العام الجاري أكدت على أن خسائر دول الربيع العربي فاقت ليومنا هذا 800 مليار دولار، تعادل 10% من الناتج العربي الإجمالي السنوي، منها 120 مليارا تمثل مجموعة من الخسائر المباشرة التي تمس جيوب الشعوب العربية الفقيرة لتزيدهم فقراً. وتشير هذه التقارير إلى أن عدد العاطلين عن العمل في الوطن العربي وصل في الشهر الماضي إلى 84 مليون نسمة، بزيادة قدرها 17 مليون عاطل لحقت بدول الربيع العربي فقط، لتبلغ نسبة البطالة أعلى من المعدلات العالمية البالغة 14% فقط.

هذه الثورات العربية أسهمت بشكل كبير في تفاقم عدة ظواهر خطيرة تزايدت في حدتها، فبعد ثلاثة أعوام من الثورات العارمة، وتمادي الشعوب العربية في تغليب الفوضى الخلاقة، ازدادت معدلات الجريمة في دول الربيع العربي بنسبة 200% وانحسرت صادراتها بنسبة 52%، مما أدى إلى تفاقم العجز في ميزانها التجاري بنحو 60% في قطاع السلع و14% في قطاع الخدمات، وتبع ذلك إغلاق 33% من الفنادق و24% من الجامعات و33% من المدارس و19% من المستشفيات.

عندما يمعن الأسد وشبيحته التي تتشدق بالإسلام بقتل شعبه المسلم الذي يحبه، وعندما يفجر الإخواني المسلم حزامه بين جنود وطنه المسلمين الذي يعشقه، وعندما يتقاتل المواطن المسلم مع أخيه المسلم في طرابلس وبنغازي وبيروت وبغداد وصنعاء وتونس والسودان والصومال لأنه يحب دينه ويعتز بعروبته ويفتخر بطائفته وقبيلته، فلا بد أن لوثة انتحار العاشق الولهان أصابت كل إرهابي فاشل و(محب) لوطنه العربي، فأخذ برأي الأصمعي: "فليس له شيء سوى الموت ينفعُ".

ومن الحب ما قتل.