لم تحرم الشريعة الإسلامية دم المسلم فقط، بل إن الأصل في دم "الآدمي" الحرمة، فالإنسان في أصله التكريم وتحريم التعدي عليه إلا بموجب شرعي ظاهر، ولذلك حين قتل موسى -عليه الصلاة والسلام- الرجل الذي عده عدوا له فكان ذلك ذنباً في الدنيا والآخرة قال: (قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم).

ولما بعث محمد -صلى الله عليه وسلم- لم يبح له الله تعالى "قتال" المشركين حتى قاتلوه وآذوه وكان قبل ذلك محرماً عليه على الأصل في تحريم دم الآدمي، وحين أذن له في القتال لم يجز له القتال إلا لمن تلبس في موجبه الشرعي من "المحاربة" و"الممانعة"، فيكون كل من لم يحارب أو يمانع باقياً على أصل التحريم، ولذا حرمت الشريعة قتل الزراع والتجار والراهب في صومعته ومن لم يطق القتال من الصبيان والنساء، ولذا كان جماهير أهل العلم يقولون إن الموجب للقتل والقتال ليس هو الكفر، خلافاً للإمام الشافعي في أحد قوليه، ويعنون بذلك أن الذي أباح قتال غير المسلم ليس هو تلبسه بالكفر، بل في مقاتلته وممانعته، قال ابن القيم: (ولأن القتل إنما وجب في مقابلة الحراب لا في مقابلة الكفر ولذلك لا يقتل النساء ولا الصبيان ولا الزمني والعميان ولا الرهبان الذين لا يقاتلون، بل نقاتل من حاربنا)، وهو بنصه أو قريب منه جدا في كلام شيخه ابن تيمية في كتاب النبوات، وقال في موضع آخر: (وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم فلا يقتل عند جمهور العلماء)، وذلك لأن العقوبة على الكفر هي عقوبة أخروية، كما نص على ذلك العلماء، ومن ذلك قول محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله: (إن الكفر وإن كان من أعظم الجنايات، فهو بين العبد وربه جل وعلا، وجزاء مثل هذه الجناية يؤخر إلى دار الجزاء).

إذا تقرر هذا في حق الكافر الأصلي الذي لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر -وأن الذي يقاتل منهم ويقتل من كان محارباً وعدواً ومعتدياً التي هي أمور زائدة على مجرد الكفر- فكيف بالمسلم الذي يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ وكيف يتساهل من تساهل في الدماء المعصومة بغير حق ويقع في كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب، والنصوص التي تحرم هذا قطعية لا جدال فيها ولا خلاف بين كل المسلمين إلا من شذ منهم ممن ركب موجة الخوارج المستبيحين للدماء والأموال.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن "الدماء" ليس فيها تأويل ولا اجتهاد، ومن حفظ الشريعة وعدم تشويهها أن يبين هذا الأمر للمسلمين وغير المسلمين حتى تزال الصورة النمطية السيئة التي خلقها فئام ممن ركبوا موجه الغلو وقدموا الإسلام على أنه متشوف للقتل وإراقة الدماء، وهم بذلك يسهمون في تشويهه تشويهاً أعظم مما تفعل دور السينما الصهيونية التي تخطط لتشويه تعاليم الإسلام وقيمه الخالدة، ثم يأتي من أبناء المسلمين من يقدم لها الخدمات مجاناً وبلا ثمن، وسبب كل ذلك الجهل وركوب الهوى وغلبة الشهوة البهيمية التي تتشوف للدماء وإراقتها باسم الجهاد تارة، وحماية الأمة تارة أخرى.