في موازاة احتفالات الشعب المصري، بمرور ثلاثة أعوام على ثورة 25 يناير، وبعد أيام قليلة من نجاح الاستفتاء على الدستور، الذي رسم بوضوح مستقبل مصر الجديدة، نشط الإرهاب، في العاصمة القاهرة والمدن والبلدات المصرية، وبشكل خاص في شبه جزيرة سيناء، بشكل غير مسبوق.

ففي الرابع والعشرين في هذا الشهر، بلغت حصيلة التفجيرات والمواجهات وأعمال التخريب 18 قتيلا، وعشرات الجرحى، وفي اليوم التالي، اليوم الذي تجمع فيه المصريون بالميادين الرئيسة في معظم المدن، احتفالا بالذكرى الثالثة للثورة، وتعبيرا عن فرحهم بنجاح عملية الاقتراع على الدستور الجديد، بلغت حصيلة الإرهاب 50 قتيلا، ومئات الجرحى. ويوم كتابة هذا الحديث في اليوم التالي لاحتفالات المصريين، بلغ عدد القتلى حتى هذه اللحظة 49 قتيلا، في غضون ذلك اتسم سلوك القيادة المصرية بالثبات والهدوء، والتأكيد على مسألتين: عدم التسليم بشروط الإرهاب، ممثلا في جماعة الإخوان المنحلة وحلفائها، والعزم على هزيمة قوى التكفير والتخريب، مهما بلغت التضحيات، لأن أمن مصر وسلامتها واستقرارها هي خطوط حمراء، لا مجال للتفريط فيها، ومن جهة أخرى، السير بقوة وثبات نحو استكمال خارطة الطريق، التي مثلت توافق مختلف مكونات النسيج المصري.

توجت الخطوة السياسية، بخطاب ألقاه الرئيس الموقت المستشار عدلي منصور، أكد من جهة إصرار مصر على إلحاق الهزيمة بالمتطرفين، ومن جهة أخرى، أعلن التبكير بالانتخابات الرئاسية، وأوصى الراغبين في الترشح لهذه الانتخابات بالتقدم بأوراقهم، للجنة الانتخابات الرئاسية منذ الآن.

وكنا في الحديث السابق، قد توقعنا، لأسباب موضوعية ناقشناها بالتحليل، أن تسبق انتخابات الرئاسة الانتخابات البرلمانية. ومن المتوقع أن يعلن وزير الدفاع الفريق عبدالفتاح السيسي عن ترشحه للرئاسة في الأيام القليلة القادمة، وربما يسبق تقديم أوراقه للجنة الانتخابية بخطاب تاريخي، يعلن فيه برنامجه السياسي. وبذلك ستتحدد بشكل نهائي هوية الرئيس القادم لمصر.

هناك قراءات مختلفة لما يجري في مصر من عمليات إرهابية، تعمل بيأس لزعزعة الأمن في مصر، ولتعطيل العملية السياسية، وفق خريطة الطريق التي رسمت مستقبل مصر. فرغم أن تصاعد العمليات الإرهابية، قد حدث بعد إزاحة جماعة الإخوان المسلمين عن سدة الحكم، لكن وجود الإرهاب في سيناء، كان سابقا لثورة 30 يونيو 2013 وقد علل الرئيس المخلوع الدكتور محمد مرسي ذلك الوجود لنصرة حركة حماس، وللتصدي للمشروع الصهيوني.

وجدت تعليلات الرئيس السابق مرسي لوجود منظمات الإرهاب، التي تنتمي إلى القاعدة في سيناء، قبولا لدى عدد من الأطراف في المقاومة الفلسطينية، كما وجدت لها مريدين داخل مصر. لكن سلوك إدارة الرئيس مرسي، والمواقف التي اتخذها تجاه الكيان العبري، جاءت متناقضة مع تلك التبريرات.

فالرئيس المخلوع، رغم أنه لم يكن له دور في الاتفاقيات والمعاهدات التي عقدتها مصر مع الكيان الغاصب، سواء في عهد الرئيس أنور السادات، أو عهد الرئيس حسني مبارك في العقود السابقة، لكنه الوحيد بين الرؤساء المصريين، الذي تجرأ على وصف الرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريز، بالصديق والقائد العظيم، في رسالة مكتوبة وجهها له، خلافا للتقاليد العربية، المعمول بها منذ تأسس الكيان الصهيوني.

والرئيس المخلوع أيضا، هو الذي رعى اتفاقية وقف إطلاق النار بين حماس و"إسرائيل"، التي تعهدت بموجبها حركة حماس بوقف القيام بعمليات عدائية ضد الصهاينة، لمدة خمس وعشرين عاما. وكان تعبير العدائية لوصف عمليات المقاومة غريبا على القاموس السياسي العربي، ومن حق الرئيس المخلوع أن يعتبرها ماركة مسجلة خاصة به.

هناك على الجانب الآخر، القوى السياسية المصرية المعارضة للإخوان. هذه القوى لا ترى في سلوك جماعة الإخوان جديدا، إذ لم تكن إلا استمرارا للنهج الذي مارسته الجماعة منذ تأسيسها، وخاصة ما عرف بالجهاز السري، الذي تسبب في اغتيال ثلاثة من القادة المصريين، بدءا بالنقراشي وانتهاء بالرئيس السادات عدا عمليات الاغتيال الفاشلة، ومحاربة التوجهات الوطنية، ومناصرة حكومات الأقلية المستبدة، كما حدث أثناء تولي إسماعيل صدقي باشا رئاسة الحكومة.

من هذه المقاربات، تصل بعض القراءات السياسية المصرية إلى اتهام الإخوان بالتعاون مع بعض الحكومات الإقليمية والعربية المناصرة للجماعة، بتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي أعلن عنه وزير الدفاع الأميركي السابق "رامسفيلد" ووزيرة الخارجية الأميركية السابقة "كونداليزا رايس"، ووصف آنذاك بمخاض الولادة الجديدة، وبالفوضى الخلاقة، والهادف لاستبدال النظام العربي الرسمي بنظام جديد، يعتمد على تفتيت الكيانات الوطنية العربية، وتكون "إسرائيل" قطب رحاه.

ويستذكر في هذا السياق، تقرير مؤسسة "راند" الأميركية، والوثيقة التي وقعها عتاولة وصقور السياسة الأميركية، من أمثال "كسنجر" و"بريجينسكي" و"هيج" و"كويل" ... الذي عرف بالاستراتيجية الكبرى. وقد اعتبر احتلال العراق، محطة أولى على طريق بناء شرق أوسط جديد، وأكد أن استكمال هذه الاستراتيجية سيقتضي احتلال بلدان عربية أخرى، حددها، وانتهى إلى أن مصر هي الجائرة الكبرى في تحقيق المشروع.

ما نشهده الآن من انهيارات سياسية في عدد كبير من البلدان العربية كالعراق وتونس ومصر وليبيا واليمن وسورية ولبنان... يوحي بأن ما يجري هو استكمال لمشروع الشرق الأوسط الذي بدأ الإفصاح عنه، في بداية التسعينات من القرن الماضي، ولن يكون مقبولا التعلل بحالة الاحتقان التي تعيشها الشعوب العربية، فهذه الحالة استمرت منذ عقود طويلة، وكان التطور التاريخي يؤكد أن الأمة على طريق كنسها وتجاوزها.

ما يجري في مصر من عمليات إرهابية، ليست قدرا مقدرا، ومصر عودتنا أن تخرج باستمرار من كبواتها. إن حضارتها كما نيلها، تسير بانسيابية نحو المصب دون تلجلج، قدرها دائما أن تنتصر على الموت. وسبيلها لدحر الإرهاب هو انتصار إرادة الحياة، واستكمال الخريطة السياسية، وبناء مؤسساتها، وتعزيز مساراتها التنموية، والتأكيد على المساواة والعدالة، واتفاق المصريين جميعا على هزيمة التطرف.