العرب تقول "التجربة خير برهان".. ويقال في الأمثال الشعبية: "اسأل مجرب ولا تسأل طبيب".. خذ على سبيل السلع: أغلب شركات السيارات العالمية تتيح للزبون فرصة تجربة قيادة المركبة قبل شرائها.. بحيث يتمكن المشتري من اتخاذ قراره عن قناعة تامة دون أي مؤثرات خارجية.. الإعلانات تدفع الإنسان أحيانا للوقوع تحت تأثيرها فتتأثر قراراته تبعا لقوة الإعلان.. بعض الإعلانات أشبه بالمسكرات التي تذهب عقل الإنسان، بل إنني أشبهها أحيانا بسحر العطف الذي يجعل الإنسان يَرى ما لا يُرى!

من هنا تأتي قيمة وأهمية التجربة.. في سياق متصل، لا أتمنى شيئا في بلادي أكثر من ارتباط الرأس ببقية أجزاء الجسد بشكل عملي.. الذي يتولى المسؤولية وينفصل عن الميدان لا يعرف شيئا عما يدور، سوى ما يصله من تقارير يومية.. من الطبيعي ألا يتمكن من الزيارات بشكل دائم.. لكن من غير الطبيعي أن ينفصل عن محيطه.. هناك ـ ولا أميل للتحديد ـ وزراء ونواب وزراء ووكلاء وزارات تولوا المسؤولية وخرجوا منها دون أن يطؤوا مناطق واسعة في بلادنا.. الزيارات التي يقوم بها هؤلاء، تندرج تحت "التجربة"..

قبل سنوات قلت إن أحد الوزراء دخل الوزارة وخرج دون أن تطأ قدمه كل مناطق شمال المملكة.. بعث لي أحد الموظفين من ذات الوزارة التي يتولاها ذلك الوزير قائلا: هو لا يعلم شيئا عن أقسام الوزارة، هل تتوقع منه أن يعلم شيئا عما يحدث على بعد ألف كيلو متر!

الخدمة سلعة والزيارة بمثابة التجربة.. ومهما قدمت لك التقارير عن مستوى الخدمة، لن يكون الأمر كالتجربة.. الوقوف على مستوى الخدمة بهدوء ودون ضجيج يسهم إلى حد كبير في جودتها.. قد تتجاهل التجربة، وتتخذ ـ إن كنت في موقع القرار ـ قراراتك استنادا على التقارير التي تصلك أو تعتمد على سماعك.. لكن: "ليس من رأى كمن سمع"!

هل تعتقد أن هناك شخصا سيرفع إليك من إحدى المناطق تقريرا يتحدث عن تقصيره؟ أو عن تدني مستوى الخدمة التي تقع تحت مسؤوليته؟.. هذا اعتقاد مضحك!.