لن يحتاج وزير العمل الجديد إلى جولاتٍ ميدانيّةٍ، فبمجرد أن ينتهي سور وزارة العمل من الجهة الغربية وعلى امتداد طريق الملك عبدالعزيز بالرياض، بإمكانك أن تتجه يمينا باتجاه الشرق، لتجد سوقا واسعةً لأجهزة الاتصالات تتكاثر فيها العمالة الأجنبية، وتمثّل أكبر نسبة من المسيطرين في تلك السوق، بالنسبة إلي فهذه ليست شكوى لمعاليه، بل إنّ وجود العمالة في المهن التي لا يتجاوز دخلها الشهري ألف ريال لا يمثل أي عامل لتوسيع رقعة البطالة لا لتقليصها، فماذا تفعل هذه المهن وماذا تقدم تلك الأجور للسعوديين؟
إنها مواجهة ثقافية واجتماعية بالدرجة الأولى قبل أن تكون مواجهة إدارية، بل إن تركيزنا على الحيّز الإداري أفقد مواجهتنا للبطالة أية جدوى، وتحولت مقاومتنا لها إلى شيء أشبه ما يكون بحملات التطعيم أو حملات القضاء على الأمراض والأوبئة، وهو ما جعل جدوى تلك الحملات مؤقتة وآنية وعابرة.
التركيز على الجانب الإداري للبطالة صرَفَ جهودَنا إلى الأرقام والإحصائيات أكثر من المعالجات الفعلية، والنتيجة هي أنّنا ما نزال إلى الآن وبعد كلّ تلك التجارب نعيش واقعا باهتا تساقطت أمامه كلّ أرقام مقدراتنا التنموية وثرواتنا الاقتصاديّة، وبتنا نقرأ قصصا ونواجه واقعا لا يليق على الإطلاق بالحياة السعوديّة. فيما يتكاثر ضحايا هذا الإخفاق من أبناء وبنات الوطن. لاحظوا كيف بالغنا في حرب التأشيرات والاستقدام، وكأنّها هي السبب الأبرز في اتساع رقعة العاطلين عن العمل، بينما كانت جزءاً من المعركة الإداريّة التي خسرناها قبل أن تبدأ، فتفريغُ المهن والوظائف من الأيدي العاملة والسعي لإحلال مواطنين سعوديين محلّهم، كان إنجازا إداريا رائعا، لكن نتيجته كانت مجرد وظائف مؤقتة إن لم تكن وظائف على الورق، بل كان الجميع يدركون أن معادلة شطب أجنبي وإحلال سعودي محله، هي معادلة فاشلة على مستويين: مستوى الكفاية الذي تحققه تلك الوظيفة، ومستوى الأداء والإنجاز الذي يتحقّق فيها، وهما جانبان كفيلان بتحويل المعادلة إلى مشكلّة، تحتاج هي ذاتها إلى خُطّة لمواجهتها.
ملفُّ رفع الأجور، قابل للتطبيق في كثير من المهن، خاصّة مهن البيع والشراء، لأنها وظائف لا تحتاج إلى تأهيل واسع، لكن الثقافة الاجتماعية حاصرت - كثيرا -هذا الإقبال، وتترست بذرائع مفتعلة، والتجربة السعوديّة المؤجّلة في تأنيث العمل في محلات الملابس النسائية خير شاهد على ذلك. كذلك إيجاد استراتيجية مشتركة بين وزارة العمل والمؤسّسات المعنيّة بالتأهيل والتدريب على مستويات التعليم الجامعي والفني والمهني، والتجمّعات التي يقوم بها الباحثون عن وظائف من خريجي الكلّيات النظريّة تثبت لنا وكأن كلّ جهة تعليمية وتأهيليّة تعمل بشكل مستقل لا علاقة له بالتخطيط، فلو أنّ ثمة استراتيجية واعية لتمّ إقفال هذه التخصصات مبكرا، قبل أن يكون لها ضحايا.
من أمانة جدة، تلك الدائرة الحكومية التي تصدرت عناوين ونشرات الأخبار، إلى مبنى وزارة العمل الأنيق في طريق الملك عبد العزيز، يبدأ الوزير الجديد مرحلة صاخبة من حياته، ومرحلة جديدة من الترقب الوطني لما ستسفر عنه سنواته القادمة في هذه الوزارة التي ترتبط بالمستقبل السعودي في مختلف تجلياته.
والحقّ أنّ ثقافتنا الاجتماعية هي الخصْم الأول الذي نحن بحاجة لمواجهته في معركتنا مع البطالة، بل سبق وأن تحقّقت نجاحات واسعة في ذلك، وكلّنا نتذكر كيف كانت مهنة التمريض والعمل في المستشفيات حكرا على الأيدي العاملة الأجنبية، وكيف باتت الآن تعج بالكثير من بنات الوطن، بالإضافة إلى عشرات المهن الأخرى المماثلة، مما يعني أن اتساع رقعة الحاجة الاقتصاديّة للكسب، تجبر الأعراف الاجتماعية على التخلي عن ممانعتها، وحين يجد الأفراد أنّهم في مساومة بين التقاليد وبين المصلحة والكسب، غالبا ما تنتصر المصلحة، وتؤدي إلى مفارقات واسعة، ففي كلّ مدننا تنتشر (البسطات) التي تبيع فيها النساء تحت أشعة الشمس الحارقة بضاعة زهيدة، بينما يرفض التقليد الاجتماعي المتترّس بالتديّن أن تمارس ذات العمل في مكان بعيد عن الرصيف وأرجل المارة.
بإمكان معالي المهندس أن يقضي العام الأول من وزارته في متابعة ملف الأجور، وقضايا التدريب والتأهيل، وفي مختلف المؤسسات وشركات القطاع الخاص، مع العلم أنّه القطاع الذي يُفترض به أن يتحمّل مسؤولية كبرى في التوظيف للجنسين، إلا أنّ الرواتب الزهيدة، وعدم وجود استقرار يحوّلان تلك الوظائف إلى أعمال مؤقتة، يمكن المباهاة بها أرقاما لا واقعا.
إنّ اشتراط نسبٍ للسعْودة نوعٌ من الإلزام غير المتّسق مع حرّية حركة الأعمال والإنجاز، لكن المقابل الأجدى هو الإلزام بحد أدنى للأجور، وبفرص وظيفيّة متنوعة تُدار من خلال مكاتب العمل المنتشرة في مناطق المملكة.
ثمة ملف آخر سوف يواجهه معالي المهندس، وهو من أكثر العوامل إسهاما في تعقيد مختلف حلول البطالة، يتمثّل ذلك في عمليات الفصل غير المنطقية بين وظائف الرجال والنساء، والتي باتت كثير من المطالب التي تنادي بها تقدم حلولا تصلح رسوماً كاريكاتورية، ولا علاقة لها بالواقع، والتجربة الرائدة التي قامت بها شركة بندة لتوظيف سعوديات على أجهزة المحاسبة في محلاتها، وبرغم كونها متأخرة، وبرغم أنّه من المؤكّد ما كانت ستثيره من اعتراضات هي في الواقع باتت جزءا طبيعيا من الحراك في السعوديّة، إلا أنّ على الوزير وعلى المعترضين أن يقرأوا أمرا واحدا، وهو أنّ الفتيات اللواتي التحقن بهذه الوظائف، لم يتم جلبهن في سيارات أمنيّة وهنّ معصوبات الأعين، وفي ذات الوقت، لم يتم إخراج المعلمات وربات المنازل من بيوتهن لإلحاقهن بتلك الأعمال، وبالتالي فكلّ فتاة التحقت بهذه الوظيفة أو بغيرها من الوظائف إنّما جاءت من تلقاء نفسها وبرضا من عائلتها أوزوجها، وهو الواقع الذي يجب على الوزارة أن تقرأه جيدا قبل أن تتخذ أي خطوة تراجع، وعلى المعترضين كذلك أن يقرأوه جيدا لكي يوفروا لياقتهم لمنشط احتسابي آخر. بل على الدولة أن تحيط كلّ ذلك بمناخ إيجابي تفرض فيه احترم خيارات الجميع فيما يبنون به حياتهم ومستقبلهم، مادام في حيز وطني ونظامي.