أنجز مؤتمر الحوار الوطني الجزء الأكبر من مهامه ووفر الخامات المطلوبة لبناء دولة المستقبل ووضع اللبنة الأساسية لقيام جمهورية اليمن الاتحادية حاضناً وطنياً واسعاً يستوعب ويحترم خيارات الناس وخصوصياتهم المحلية، ويستجمع من صحوات المشاركة الواعية لأبناء الأقاليم منابع الزخم الوطني لبلورة القواعد السياسية والقانونية والأمنية والاقتصادية الضامنة متانة وفعالية المؤسسات المركزية المعنية بالشؤون السيادية في تركيبة الدولة الوليدة.

وخلال الـ48 ساعة سبقت أو تلت انعقاد مهرجان التتويج شهد اليمنيون قصفاً مدوياً استهدف اليمن الجديد.. ساعتها لم يكن حبر مخرجات الحوار وتوقيعات الفرقاء قد جف بعد.

الرئيس هادي حمل بشرى العثور على يمن جدير بالبشرى وهو وحده الذي كرس معظم وقته والكثير الكثير من قراراته لترميم البيوت التقليدية ليحول وسقوطها على رؤوس أطراف الصراع وبمحصلة ذلك لا أحد يدري الآن كيف ستنجو بشراه تلك أو كيف سينجو هو الآخر من هذا القصف العنيف الصادر عن قاطني البيوت التي عكف الرجل على ترميمها طوال الفترة الماضية.

وأعجب من هذا أو قل الأغرب منه استخدام طرفي الصراع نمطاً من القذائف لا يصل مداها إلى أي منهما لكنها تؤدي فعاليتها الكاملة عند منتصف المسافة وتحديداً حيث تتراءى البشرى أو عندما يتحسس الرئيس رأسه ذاهلاً من مفارقات لا تحمل على غير البكاء!

ليس واضحاً إن كان ما حدث أو يحدث بين من نسميهم أطراف الصراع التقليدي حروباً حقيقية أم مناورات لاستدامة أسباب الصراع بما هي نفسها أسباب التحالفات المتجذرة بين الإسلام السياسي والقبيلة.

لست أدري والحال (يمناً جديداً) كما قيل إن كانت حقبة 33 عاماً في عهدة رجل واحد ذي قبعة ووحيد حافظت على ديمومتها دون هذا الصخب العابث من مناورات الصراع المفتعل بين عسكر القبيلة وعسس الإخوان!! وما أدريه حد اليقين أن احتراباتهما قبل وأثناء وبعد الحوار لا تعدو المناورات التي يضحي كل منهما بمن يقذف بهم سوء التقدير إلى جرابه من مخدوعين ــ أحسبني في عدادهم ــ سلكوا خيار الربيع متعدد الأحراش والأدغال والمخاتلات.

أعطني مثلاً في التاريخ عن حاكم ــ عادل أو مستبد ــ أمضى ثلاثة عقود في قمة السلطة وخرجت الملايين ثائرة عليه ثم لزمها البقاء في ساحات الثورة أشهراً ريثما تبرؤ جراحه ويغادر مشفاه ويقفل عائداً لإعلان تخليه عن السلطة مقابل استمراره في تسعير الأزمات..؟ إن لم يكن هذا المثل ضمن أضابير التاريخ السياسي على امتداد العالم فلم تنفرد اليمن به ويقرر الإنسان تعطيل عقله؟ ولماذا الإسراف في تمجيد الوهم والنظر إلى مجريات الأوضاع كما لو أن صراعاً فعلياً قد نشب بين عسكر القبيلة وعسس الإخوان..؟ ما من شاهد ولو متواضع ينفي هزلية الأحداث في العربية السعيدة، فيوم شارف الحوار على الاختتام قال قوم كيف نحقق نتائجه في ظل حكومة وفاق مجمع على ضعفها ما يدعو لاختيار حكومة تكنقراط بشروط الكفاءة لا المحاصصة لكن الإخوان بجناحيهما الأمني والقبلي انفردوا بمعارضة الفكرة ليجري العدول عنها إلى تغيير جزئي وتلويح باستدعاء القطيع لإسقاط الرئيس المنتخب إذا قرر التمرد على ثقافة الصفقات.. وفي اللحظات الفاصلة وعندما ضاق صدر هادي من تلك الضغوط وظهرت بوادر موقف رئاسي ينتصر لقيم الدولة خرج رأس النظام السابق بتصريحات غير مسبوقة بدى معها وكأنما يعمل عتالاً يحمل الأثقال من كاهل الإخوان إلى كاهله ومنهما معا إلى عربة المؤتمر الشعبي المعني بدفع الفواتير نيابة عن مختلف القوى المناهضة بشرى اليمن الجديد..

المشهد حافل بالمخاتلات عامر بالخدع مكتظ بالمفارقات وإلاّ.. فلأي هدف يحشد علي صالح ما في جعبته من استفزازات وبواعث استعداء للرئيس هادي إن لم تكن تلك الشحنات الطافحة بالتهكم هدفها خلق ردود فعل تصب في خدمة الإخوان فما المراد منها إذن؟

وبموازات ذلك ما الذي يحمل قادة الإخوان للدفاع المستميت عن وزراء المالية والكهرباء والداخلية رغم الأثر السلبي الجائر على شعبية حزب الإصلاح.. أليس الهدف رد الاعتبار للنظام السابق وإهانة الضمير الوطني للثورة الشبابية وإهالة التراب على قيم التغيير المؤمل تجسيدها بانتقاء الأفضل من الرؤى والأكفاء من القدرات والأنزه من الممارسات السلوكية؟

لست عرافاً ألقي المجازفات المتفرسة في وجه القادم من المناورات البلهاء.. لكني أقرأ معطيات المشهد وأمعن التمحيص في مستجدات الواقع وتوالياته البيانية على نحو يعزز الاعتقاد بأن بشرى الرئيس عبدربه منصور هادي، بيمن جديد لم تعد مجرد أضغاث أحلام تمليها حاجته للسلطة، ولكنها غدت إعلاناً تاريخياً موثقاً على الصعيدين الإقليمي والدولي، اقتضته مصلحة عليا وقررته إرادة إجماع وطني وليس على متخذ القرار غير المضي قدماً في استلهام حاجة الوطن والإصغاء الكامل لإرادة الشعب والمبادرة إلى اتخاذ القرارات الصارمة لإنفاذ المصالح الوطنية بعيداً عن المناورات الحزبية التي تعيش من أجل الماضي والماضي فقط.

وإذا أبطأ هادي في استلهام اللحظة التاريخية فإن اليمن الجديد لن يكون هدفاً للمناورات التقليدية فحسب بل وسيصبح لقمة سائغة في متناول قوى التخلف، إذ لن نراها تعتمد المناورة سبيلاً لإجهاض البشرى لكنها وعلى المدى المنظور سوف تنتظم على قلب رجل واحد ورأس معسكر واحد وضمن جبهة موحدة لاجتثاث البشرى وإحكام القبضة على يمن يستوعب المحاصصات وينتج الصراعات ويفرخ جماعات الإرهاب ويقتات على الصدقات وفي مثل هذه الحالة سوف يكتب التاريخ أقسى أحكامه في حق رجل عدّه الناس منقذاً فانحرفت بوصلته وأضاع الفرصة من يده ووعد ولم يفعل؟..