ثمّة أشخاص في هذه الحياة لا تصدق أنهم أموات، لا تحجب صيتهم القبور، ذكرهم بعد الموت يتجاوز ذكرهم في الحياة، يمتدحهم الخصوم قبل الرفاق، يشهد بفضلهم الأعداء قبل الأصدقاء، لا تقف أمام إبداعهم حدود الجغرافيا ولا يسعهم التاريخ، قدرهم أن يعيشوا حياتهم فوق رؤوس الرماح كما عاش فقيد الوطن غازي القصيبي الذي ملأ الدنيا وشغل الناس.
رحمك الله يا أبا سهيل فلو لم يكن لك إلا وقوفك في وجه العاصفة التي كادت تعصف ببلادنا أيام احتلال الكويت لكانت كافية، وهي وقفة يجب أن نرويها للأجيال القادمة فلقد كنت فارس الكلمة والقافية - بعد أن حسمها فارس السياسة آنذاك الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله باتخاذه قراراً تاريخيّا بالموافقة على الاستعانة بالقوات الأجنبية للمشاركة في الدفاع عن المملكة وتحرير الكويت - وكنت أحد سيوف الوطن المسلولة في وجه المرجفين والانتهازيين والمغرضين الذين طالت ألسنتهم وتعالت أصواتهم عندما شاهدوا مئات الألوف من الجنود على حدودنا أيام احتلال الكويت، ويا لها من وقفة، حيث كنت جبهة من الصمود في ذلك الوقت ومدرسة للانتماء الوطني رغم ما لقيت من الهجوم آنذاك وحملت العبء منفردا غير مبال، ولم تتراجع خطوة واحدة رغم كثرة الخصوم وشراستهم لإيمانك بأنه لا مساومة ولا تنازلات في سبيل مصلحة الوطن، وأثبت لنا التاريخ أنّك كنت على حق وأنّ ما أرجف به المرجفون لا يعدو أوهاما لم يعد يصدقها حتى أصحابها.
رحمك الله فقد كنت مثيرا للجدل في الحياة وفي الممات, فلا يزال قلة من الخصوم يحاربونك بالهمز واللمز والتشفّي بشكل يتنافى مع أخلاق المسلمين، ولقد جاؤوا على سيرتك بكلام لا يليق وما نقول إلا صبرا جميلا والله المستعان على ما يصفون، ليتهم يذكرون محاسن موتاهم ولا يتألوا على الله فهو وحده من يعلم أسرار القلوب، ولا ندري أيّكم أثقل موازين عند علاّم الغيوب.
العظماء يبدأ تاريخهم الحقيقي بعد وفاتهم، أما أنت فتاريخك ابتدأ منذ كنت طالبا في مدرسة الهداية الابتدائية في البحرين وأحسب أنّه تاريخ لا نهاية له، لأن ذلك التاريخ أصبح ملكا للأجيال القادمة التي سوف تحاصرنا بالأسئلة! لماذا لم تسمحوا بكتب غازي القصيبي إلا عندما كان على فراش الموت؟ لماذا مُنعت كتب رجل بهذا الحجم؟ لماذا مُنعت كتب الرجل الوحيد الذي استشرف الوضع الذي نعيشه اليوم قبل عشرين عاما في كتابه "حتى لا تكون فتنة"؟ لا أحد يعرف الإجابة! ولكننا في الوطن العربي كُتب علينا ألا نعرف قيمة عظمائنا إلا بعد وفاتهم؟
سقتك الغوادي يا قبر أبي سهيل فقد كان صاحبك يحمل رايةً ناصعة البياض طول حياته وكان رمزا للإخلاص، فلقد رحل نظيف اليدين مرفوع الرأس وكان أنموذجاً للصدق وعنوانا للمواطنة الحقيقية، ولقد أنعم الله عليه بنعم كثيرة سخّرها لخدمة الوطن. هنيئا لك يا أبا سهيل فلقد شهد لك الجميع "أنك مضيت بطلا لم تبع قلمك ولم تدنس بسوق الزيف أفكارك" كما ذكرت في قصيدتك "حديقة الغروب" ويشهد لك التاريخ أنك رجل وطني مخلص شجاع جريء نذرت نفسك وقلبك وعقلك وموهبتك الشعرية لخدمة الوطن، حقا إنك قيثارة الصحراء كما وصفت نفسك فإلى جنة الخلد يا أبا سهيل.