لم تحز البرامج التلفزيونية المنتشرة في القنوات الفضائية بنهاية التسعينيات الميلادية رضا هاني خوجة، فعادة ما يجدها برامج جريئة لا تخاطبه كشاب مسلم، أو تكون متشددة لدرجة أنها تستضيف رجال دين يهددون الجميع بأنهم إذا لم يتوبوا فإن مصيرهم جهنم والويل والثبور. تشدد البرامج الدينية وسذاجة البرامج الكوميدية، جعلا من هاني شاباً عازفاً عن الاستمتاع بمشاهدة التلفاز حتى أهدته الصدفة فرصة سانحة لأن يكون وليد البراهيم، مالك مجموعة MBC، بنفس المبنى الذي هو فيه، فانتهز الفرصة ليذهب لمقابلته، ويعلن له رفضه عدم وجود برامج وسطية، ويطالبه بأن تكون هناك برامج هادفة عوضاً عن تلك البرامج التي لا تخاطبهم، ولا تمت لواقعهم بصلة. تفاجأ هاني بأن وليد البراهيم قال له: هل لديك برنامج وسطي مثلما تقول لنبثه من خلال قناتنا؟ فلما جاوبه بأنه لا يملك ذلك، قال وليد البراهيم: إذن أنا أمنحك فرصة بأن تقدم لي برنامجاً من خمس حلقات من إنتاجك، وإذا حاز على رضا المشاهدين، فإنني سأمول باقي الحلقات.
دون تردد ومن باب التحدي قال هاني: وأنا مستعد.
يقول هاني: عندما عدت لمكتبي شعرت بأني أوقعت نفسي بورطة كبيرة، فأنا لم أقم بإنتاج أي برنامج من قبل، ولا أملك أي خبرة إعلامية، والورطة الكبرى أن الميزانية الكافية لإنتاج خمس حلقات ستكون باهظة ومرتفعة، ولكنني فضلت أن أنتهز الفرصة مهما كانت خسائرها على أن أردها خائبة، ودون أن أمنحها ما تستحق من محاولات.
سارع هاني بمشاورة زوجته وأصدقائه، وأشاع خبراً بمحيطه الاجتماعي عن عزمه على إنتاج برنامج شبابي من خمس حلقات، يُعرض على القناة الشهيرة mbc، على أن تكون حلقاته وسطية، لا تميل للجرأة ولا إلى التشدد الديني، فتهافت عليه أصدقاؤه ومعارفه يطرحون عليه مساعدتهم، وبأنهم يريدون أن يغتنموا الفرصة ليكونوا ضمن فريق العمل، فمنح كل من أبدى مبادرته مهاماً معينة ليقوم بإنجازها، ولكنهم بعد ذلك كانوا يختفون، وبعضهم يعتذر بأنه لا يستطيع أن يقوم بما كلّفه به، والقليل جداً من قام بتنفيذ المهام الموكلة له، ومن أبرزهم أحمد الشقيري الذي اتصل بهاني طالباً منه أن يضمه لفريق العمل، فكلّفه هاني بأصعب مهمة وهي أن يجلب ممولين للبرنامج، ولم تمضِ 24 ساعة حتى عاد أحمد الشقيري وبيده خمسة مواعيد مع خمسة رجال أعمال، وبعد أن ذهبوا وقابلوهم وشرحوا لهم فكرة البرنامج، وافق أحدهم على منحهم تمويلاً للحلقة الأولى فقط من برنامج "يلا شباب".
واجه هاني وفريق عمله الكثير من المصاعب والعقبات قبل أن ينتجوا خمس الحلقات الأولى من برنامج "يلا شباب" الذي لقي بعد بثه رواجاً واسعاً، وأجبر نجاحه قناة mbc أن تسارع لإنتاج البرنامج على حسابها دون تردد.
الطريقة التي كان يتمنى هاني خوجة أن يشاهد بها برامجه حينما لم يجدها صنعها بنفسه، وأنتج برنامج "يلا شباب" الذي حاز نسبة مشاهدة مرتفعة، ورسم طريقة جديدة لخريطة البرامج الهادفة التي حذت حذوها الكثير من البرامج، وحققت نجاحاً باهراً وما زالت تُعرض إلى الآن، وعلى رأسها برنامج "خواطر" لأحمد الشقيري الذي كانت بداياته مع هاني خوجة ببرنامج "يلا شباب".
الإكسير مادة مركبة، كان الأقدمون يعتقدون أنها تحول المعدن الرخيص إلى ذهب، وأنا أجزم بأن هاني خوجة إكسيرٌ لبرامجنا العربية بفكره ووعيه ومبادراته.
من الملفت جداً لأي مشاهد عربي أننا لا نصنع البرامج بل نستنسخها كما هي، وغالباً تلك البرامج المستنسخة لا تتوافق مع تطلعاتنا نحن المشاهدين العرب، وهنا تكمن فرصة ثمينة لمن يستطيع أن يأتي بفكرة برنامج يحصد أعلى نسب المشاهدة مثلما فعل هاني ببرنامجه الرائع "يلا شباب".
هناك الكثير من الأشياء التي تثير استياءنا وليست فقط البرامج التلفزيونية، ونتمنى لو أننا نمتلك القدرة الكافية لتغييرها؛ ونتناسى أن لدينا قوة هائلة بداخلنا بوسعها أن تغير الكثير وقتما أردنا ذلك. إذا كنا لا نحب المهنة التي نقوم بها فليس هناك ما يستحق الاستيقاظ باكراً من أجله، ولنشرع فوراً في البحث عن المهنة التي لا يؤرقنا أن تشاركنا وسادتنا.
إذا كنا نحب أن نقرأ تاريخ مدينتنا أو قريتنا وأزقتها ودمعاتها وضحكتها في رواية فلنكتبها، وإذا لم نستطع فلننمي مواهب أبنائها في الكتابة وندعمهم، وحتماً سنقرؤها رواية يخلدها التاريخ، إذا كنت تمضي وقتك مع من لا يمنحونك ما تستحق من تقدير وحب واحترام فاهجرهم ولو كنت تحبهم، فالحياة أقصر من أن نهدرها، وكريمة لمن يستثمرها.
من أكبر الأخطاء التي نرتكبها في حق أنفسنا استسلامنا للأشياء التي لا نحبها ونسمح لها أن تسلب منا الحياة ونقف أمامها بخوف ووجل بينما بوسعنا أن ندحرها بالشجاعة والأمل.
الآن.. دائماً هو الوقت المناسب للقيام بما نحب، أن نغير كل ما نكره، أن تمضي حياتنا؛ ونحن لا نلتفت للوراء مدخرين ما تبقى من عمرنا فقط للأشياء التي تستحق.