كتب الوطنيون صارخين، وصرخوا كاتبين، ولمّحوا قاصدين، وقصدوا جاهرين، وتألموا منتمين. وكلما صرخ صارخ، أو تألم متألم، مما آل إليه الحال من تحزب وتشتت وانتماءات يدرك المعتمدون على قاعدة معرفية سليمة أن نتيجتها الشتات، وأن مآلنا معها لا يحمد، تعاورته أقلام الشاتمين، وآذته ألسنة المشوِّهين، وهم يعلمون أنهم على غير الحق، بيد أن الحسابات الحزبية الضيقة كانت تفرض عليهم مجانبة العدل، ونصرة الفئة على حساب الوطن والأمن والمستقبل والوحدة.

بعضهم، لا يعي خطورة اندفاعه، لكنه -كان ولا يزال- يندفع مدفوعا بإيمانه بما يقوله قادته الذين حوّل أقوالهم وأفعالهم وتوجيهاتهم إلى واجبات وأركان بها يكتمل دينه، وتصفو عقيدته، وهو لا يعلم أنه أداة مجردة، تستخدم دون علمها، وتتحمس مُغيبَّة عن أهداف محمسيها.

بعضهم الآخر، يعي كل كلمة يقولها، ويحسب بدقة نتائج كل خطوة يخطوها، بل ويعمل من خلال الوطن سلطة وشعبا، على تكريس ما يولّد الفرقة، وزيادة أسباب الغضب، ومضاعفة الأخطاء، وتكبير الصغائر، والتشنيع على كل واع بفعله وأهدافه، لأن ذلك كله يؤدي إلى الخلخلة والخلل، وهما أسمى غاياته، عله يستطيع يوما أن يكون المتصرف والمتحكم، وهيهات بإذن الله.

كان الصارخون والمتألمون والواعون بما "وراء الأكمة"، يرون الحركيين سارحين مارحين، ويشهدونهم يخترقون الوسائل الإعلامية، والمؤسسات الرسمية والأهلية، ويفعلون كل شيء من أجل اختراق ما استعصى عليهم اختراقه، سواء أكان وسائط إعلام، أم مؤسسات دولة، أم مؤسسات ثقافة، أم جمعيات أهلية، وسبيلهم إلى ذلك هو "تفصيل" التهم، والتشويه باسم الدين، وتنزيه الذات وتزكيتها، ليسير خلفهم مجتمع متدين فطرة، ومحب للخير ابتداء، وهو لا يعلم أن "الدين" ليس سوى ستار، والشعارات ليست سوى وسائل.

كان الصارخون والمتألمون والواعون بما "وراء الأكمة"، يرون كل ذلك، ويكتبون عنه، ويجهرون بالقول فيه، ثم يستغربون الصمت، ويتعجبون مما كانوا يظنونه تراخيا خطيرا، حتى جاء الأمر الملكي الخاص بالانتماءات المتطرفة، والحركات المؤدلجة، ليعيد ترتيب الأذهان، ويعيد ثقة الوطنيين في سلامة نهجهم، وصدق حدسهم.

كان الأمر الملكي انتصارا لوطن، ونصرا لمبادئ قالت: "لا" في وجه كل انتماء لا يعترف بالوطن وطنا، ولا يؤمن بالأهل أهلا، ولا يرى من المبادئ إلا ما كان محققا لمصلحة الحركات التي تختلف أسماؤها، وتتفق أهدافها.

لقد بررت الغاياتُ الكثير من الوسائل القبيحة، وامتطت "الأدبياتُ الحركية" الكثير من المقدسات، بل وغررت بالكثير من التابعين، حتى صارت هذه الأفعال مفسرة للكثير من المشكلات، وسببا خفيا في الكثير من مظاهر الخلل والتصنيف والفرقة والشتات، مما استدعى الحسم بقانون صريح، يعيد الوطن إلى أهله، والأمان إلى قلوبٍ طالما أخافها غموض المستقبل.. فالحمد لله... الحمد لله.