سألت عرفان بن رمضان مساعدي هل أنت من هندستان أو باكستان أو راجستان وبنجلاديش؟ فأنا لا أفرق بينهم كثيرا، فكلهم يرطنون بالإنجليزية الملتوية ويهزّون أعناقهم بنفس الطريقة الجانبيّة؟ يس سير (Yes Sir) قال لا باعتداد أنا من باكستان؟ قلت له ماذا يحدث عندكم وما أخبار والدك؟ قال غرق في الماء إلى حلمة ثدييه؟ قلت له وماذا فعلت الحكومة؟ قال الحكومة نائمة؟ ورئيسنا في بريطانيا يتسوق ويشرب القهوة؟ قلت له أظن أنه من العائلات الإقطاعية الغنية وهو زوج بناظير بوتو التي اغتيلت تحت أعين من منحها الحماية في العودة لباكستان من مخابرات الأميركان؟ هز رأسه ضاحكا؟ ثم عقّب إن من انتبه إلى الكارثة وكان يجب أن ينتبه أبكر هو الجيش؛ فهو من بدأ في إخلاء المناطق المنكوبة! وكان بإمكانه لو كان صاحيا أن ينقذ مئات الآلاف إلى أماكن آمنة؟ قلت له وكيف؟ قال المطر انهمر وفار التنور من السد الأعظم فلم يكن بد من فتح السد وإلا كان مصيرنا مثل سد مأرب فنتفرق أيادي سبأ كما جاء في التاريخ ونمزق كل مزق، فالسيل العرم لايبقي على شيء؟ ويبدلهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وإثل وشيء من سدر قليل؟ وهل يجازى النائمون إلا بمثل هذا؟

ومع فتح السد الأعظم على نهر السند انساح الماء مع المطر المنهمر فأغرق سدودا صغيرة ومعها أناسي كثيرة ومواشي شاردة هاربة من أقصى شمال باكستان حتى جنوبها؟ قلت له ماذا فعل أبوك قال هرب بكل بساطة إلى السطح ومعه طعامه وشرابه وكسوته؟ قلت له: وبدون كهرباء؟ انفجر ضاحكا وقال: كهرباء؟؟ وانفرجت أساريره عن ضحكة مفرقعة!! نحن لانعرف الكهرباء أصلا عندنا!

قلت له: والآن ستذهب إلى الإجازة هناك ألا تخشى من الكارثة أن تلمك وتضمك بقبلة رديئة؟ قال لا بالعكس فأنا متشوق وفضولي (Curios) أن أرى حجم الكارثة هناك!! وضحكنا سوية ضحكة مجلجلة. إنه شيء جميل أن يضحك الإنسان في الكارثة، وشر البلية مايضحك!

إنّ ما حدث في شهر أغسطس من عام 2010 يكرّر لنا نفس القضية التي حركناها فيما سبق في بركان أيسلندا وتسونامي إندونسيا وتايلاند وسيريلانكا، وطوفان نيو أورليانز في أمريكا، وزلزال هايتي، وحريق الغابات في إسبانيا واليونان، فكلها كوارث طبيعية يمكن رصدها والسيطرة عليها ضمن سنة الله في خلقه.

وأنا شخصيا أفهم سنة الله المتدفقة في مفاصل الطبيعة في كل مكان، فمن يخرق سنة الله خرقته، ومن نام وغفل عن سنن الله لم تغفل سنن الله عنه، وسد مأرب لو انتبه له أصحابه في الوقت الملائم لما انفجر ودمر حضارة، والمريض الذي يأتينا إلى الإسعاف نازفا وليس عندنا دم لإسعافه عليه أن يموت.. فكلها سنن بيولوجية طبيعة قد وضعها الله في الكون وكل في فلك يسبحون..

والمشاكل ليست فيها بل بموقفنا منها، فألمانيا في الحرب الكونية لم يبق فيها حجر على حجر ومات ملايين الرجال قتلا في ميادين المعارك ومن بنى ألمانيا كانت أذرع النساء النحيفات الرقيقات ولكن بهمة النحل، وأنا شخصيا ذهلت حين عرفت أن هيروشيما عادت لها الحياة بعد ثلاثة أيام من ضربها بقنبلة ذرية مسحت 150 ألفا من الأنام فبأي آلاء ربكما تكذبان..

إن أعجب الصور التي رأيتها من كارثة باكستان صفوفا كبيرة من الضاحكين وهم يستقبلون الإهانات مع الإعانات..

قلت سبحان ربي مع الفقر الضحك ومع الغنى تكشيرة الوجه.