لست أدري إلا أن مؤتمر الحوار الوطني أنجز مهادا نظريا مقبولا لبناء دولة المستقبل، لكنه شاد شراكة سياسية قادرة على وأد أحلام البشر، وحرق أعشاش الكناري وسوق اليمنيين إلى مزارات إسطنبولية وبشاورية وحسينية تجللها نجمة حمراء تهدي نخب الانفصال لسلاطين الجنوب، وتعتق عرق الكادحين خبزا طازجا يمهر أصابع الضحايا المنتظرين تحت أنقاض الشمال الجريح نتائج السباق الآمادي بين المهدي المنتظر والإمام الاثني عشر!

قلنا مرارا: لا بأس من وضع إطار يجمع أطراف الصراع.. لا بأس في أن تصبح المشكلة جزءا من الحل أو على الأقل ريثما يكشف كل فريق خارطة العامة، ويشترك في توفير ممر آمن يسلكه الرئيس المنتخب نحو المستقبل.. لكنهم واصلوا مسيرتهم التهكمية بابتذال أسوأ نماذج التهافت العربي على السلطة.

لم يكونوا يوما مع مستقبل يخص الفقراء، وإن كان بعضهم سجل شيئا من ذلك فمن أجل استدامة الفقر وتمجيد عوالمه! أجل؛ لم يكونوا مع يمن مكتمل الهوية والسيادة، لا لتشوش تاريخي عالق في مداركهم، ولكن لانطلاقهم من استراتيجية أيديولوجية تصادر الانتماء الوطني لمصلحة عوالمهم السحرية التي يتجاوزون معها حدود التأثر الفكري إلى الالتزام السياسي العضوي؟

وما دامت علاقاتهم بالوطن على هذا النسق المضطرب فمن أين واتاهم الحنين لمستقبل اليمن؟

من خبراتهم المركومة في المماحكات؟ أم من إرثهم العريض بنقض المواثيق والعهود؟ أم بمكتسباتهم الأثيرة في سفر الخراب العظيم؟

خاضوا تجربة الحوار، ولم يتعلموا أبجديات السلم الاجتماعي، ولا معنى الدفاع عن الحياة بما هي أهم وأبلغ قيم المواطنة تماما كما لم يدرك راعي الحوار مدى حاجتهم إلى تأهيل ثقافي وتربوي يدلهم على ماهية الوطن وماذا يمثل الالتزام لسيادة القانون وكيف يكون الإذعان لدور ومسؤوليات الدولة.

وفي حقيقة الأمر بل ومنذ زمن بعيد لم يكن مستقبل اليمن على جدول الأشقاء ولا ضمن أجندات الحكومات الصديقة وإلا ما كبرت ممالك الطحلب ولا عرشت مستعمرات الفساد القيمي الممول خارجيا ولا استحوذت قوى الصراع على 90% من مقاعد الحوار لتغادره إلى دأبها القديم ولاءاتها المعترضة على تغيير الحكومة والدفاع عن إنجازاتها المرموقة في استنزاف فرص إنقاذ الوضع.

ومقابل ذلك لو كان قادة الصراع الحزبي والمذهبي والمناطقي، أخذوا دورات مكثفة في أخلاقيات الالتزام لمخرجات حوارهم السياسي، ولو فرض الرئيس هادي على كل منهم ضمانات مشددة بالتخلي عن السلاح وعدم النيل من استقرار الوطن وهيبة الدولة، ما امتدت حوارات المدافع إلى محاذاة العاصمة صنعاء!

هكذا يتحدث الضحايا كما لو أنهم بصدد عرض رأي انطباعي يمهد لموقف شعبي يفرض عدالة من نوع آخر، لا تستثني أحدا من اندفاعاتها الجارفة، وذاك لعمري خيار "شمشوني" سيئ ويتعين بحث السبل الممكنة لتفاديه.

وبالمناسبة، يهيأ لي أن قوى الصراع التقليدي ـ أقصد قوى المغالبات الحزبية وجاهزيات الوفرة القاتلة ـ لن تسمح للرئيس هادي بتدبر التحديات الماثلة أمام اليمن، ولا بمواجهة إرث الصراع، وهي لن تتركه يفكر في أولويات بناء الدولة كما رسمتها مخرجات الحوار، وليس أدل على ذلك من الالتفاف المبكر على تلك المخرجات وتطويقها بضمانات ترهن المستقبل لإدارة ومحاصصات قوى الصراع ومكناته الممولة تحت شعار فاضح (شركاء في الحل شركاء في التنفيذ)!

إن كانت هذه الشراكة عادلة الأسباب وجيهة الحجة، فلماذا لا نجد أثرا يدل عليها على صعيد المواجهات الدامية في غير محافظة من محافظات اليمن.. وإن كان لهذه الشراكة ما يبررها من نجاحات "محرزة" خلال حكومة الوفاق فلماذا يضع بعض فرقائها قدما مع السلطة، وأخرى في مربع الكيد والتحريض؟

منطق الأشياء يقول: إن الحوار الوطني أنجز اعترافا واضحا من القوى التقليدية بتطلعات عجز الماضي عن تحقيقها وأزفت مواعيد التأريخ لنقلها إلى عهدة قوى وطنية حديثة لم تكن في مراحل الانهيار امتدادا لمشاريع سياسية نشأت خارج حدود الحاجة الذاتية للشعب اليمني، وأخذت فرصتها في السلطة وقادت المجتمع نحو مآلات كالتي نرى.

منطق الأشياء، وإن كان لا منطق لها في اعتمالات الوضع يؤكد تناسل الأنفاق وتعدد مواصفاتها حسب متطلبات أطراف الصراع لدرجة الخشية من أن تصبح وظيفة رئيس الجمهورية شبيهة بمهام الأخضر الإبراهيمي، وفي العادة.. حين تعترك جماعة من الفتوات فإن المبتدر لفض الاشتباك يغدو أوفر المشتبكين حظا باللكمات المتبادلة!