القبيلة منظومة اجتماعية تضرب بمفاهيمها في أعماق التاريخ ا?نساني، وفي تراثنا العربي وإرثنا التاريخي، كانت القبيلة منتهى الهوية والانتماء والتعريف، وكانت قداستها وحرمتها وقوانينها أساليب حياة يلتزم بها أفرادها و? يحيدون عنه قيد أنملة.
والجزيرة العربية عبر تاريخها ا?نساني المديد، وحاضرها المشرق، ما زالت تكتنز الكثير من مفاهيم القبيلة وصورها، وما زال الأفراد يرون في القبيلة و?ء وانتماء وهوية.
القبيلة كاسم، وكمجموعة من المفاهيم والثقافات، فيها الكثير من الصور المضيئة، كإغاثة الملهوف، وإكرام الضيف، وإعانة المعوز والمحتاج، صور مشرقة ترسخ هوية العربي ا?صيل الذي ينشد المكارم لتكون أساليب حياة يعيشها ويموت ?جلها.
ومع حالة التمدن والتحضر التي كانت نتاج التغيرات التاريخية والسياسية التي مرت بها بلادنا، نزح الكثير من أفراد كثير من القبائل، لينشئوا مجتمعات حضرية تتعايش مع بعضها وفق أنماط حياتية جديدة، تناسب طبيعة المكان وزمانه، وهناك قبائل ما زالت متمسكة بأماكنها تبعا لملاءمة تلك ا?ماكن لكل أساليب التحضر والتقدم من طرق ومدارس ومستشفيات، حتى أضحت تلك البقع القصية قرى ومجتمعات متحضرة مزودة بكل وسائل الحضارة وتسهيلاتها، وهذا نتاج التنمية وخططها التي غيرت الجانب المادي، إ? أن بعض المفاهيم القديمة وآلياتها بقيت ثابتة مترسخة غير قابلة للنقاش أو التجديد، مرهونة تلك ا?فكار بشخوص فئة عمرية معينة ? تقبل مشاركة الشباب، فهم المخططون والمنظرون والقائمون على حراسة مفاهيم القبيلة المتوارثة، ورغم بروز العديد من الشباب وحصولهم على أعلى الدرجات العلمية والمعرفية، إ? أن (قانون ا?قدمية الحياتي) يظل أساسا ومسوغا في طرح أي رؤية جديدة أو مفهوم حديث، هذا أدى إلى عزل واعتزال كثير من القدرات الشبابية عن مجتمعاتها القبلية، وهذا الانعزال أو الاعتزال ? يعني الغياب عن تظاهرات القبيلة ومناشطها، بل هو حضور وفق المفاهيم المتوارثة والانغماس فيها مسيرين وليسوا مخيرين. إنه صراع ا?جيال، بين جيل رشف القبيلة ومفاهيمها عبر إرثها القديم وبين جيل يريد إضفاء شيء من واقعه العصري على القبيلة ومفاهيمها ومناشطها الحياتية المختلفة، إن إقصاء الشباب عن مجالس هذه القبائل ليعد ظاهرة واضحة للعيان، وهذا يجعل القبيلة كمنظومة حياتية، تصاب بالوهن والشيخوخة والتكرار، تكرار لطقوس وأساليب حياتية حان تجديدها بما يتواءم مع العصر واحتياجات إنسانه، هذا الواقع ليس مطلقا، فهناك نماذج قبلية جددت خطابها الحياتي بشكل عام، عبر فتح المجال لشبابها ليشاركوا ويصنعوا رؤى القبيلة ومفاهيمها، وهناك واقع قبلي آخر، يقصي الشباب مرسخا ثقافة الوقوف في الطابور حتى يأتي دوره وقد بلغ من الكبر عتيا، ليصنع رأيا أو يؤيد طريقة.
شيوخ القبائل منوط بهم تجديد واقع قبائلهم الحالي، وإشراك الشباب في المجالس المختلفة، وصياغة آليات جديدة للنهوض بمجتمعاتهم الصغيرة، أما اختزال مهام تلك المجالس في محاضر ورقية، وكرنفالات رقص سنوية، ووجبات دسمة، وكلمات إنشائية، فذلك فيه نكوص بالحياة وأفرادها إلى الخلف، وإهدار ا?موال، وتعطيل للقدرات.