لمحت في طريقي ذات مساء، وقبل دخولي مدينة "ليلى" بالأفلاج، لوحة تشير إلى موقع "التوباد"، وكم انثالت على خاطري، وقفزت إلى ذهني مكنونات ومخيال تلك الأرواح المرهفة، والترف التراجيدي، والبوح الشفيف، وعذابات الحب، وتوقدات العشق، ومكابدات وظلم النسق، وما تولد على سفح هذا الجبل من حكايا راعفة، وحرمان قاتل، واختناق قلبي، وسحق جسدي، وهمهمات موجوعة، وصرير أفئدة معذبة، ركضتْ وعاشت حول تلك الفضاءات: "وأجهشت للتوباد حين رأيته.. وكبر للرحمن حين رآني، وأذرفت دمع العين لما عرفته.. ونادى بأعلى صوته فدعاني" تخيلت ابن الملوح والعامرية يركضان بين الخفاء والتجلي، وكأنهما يحاولان الإمساك بالحب الضائع، ومواسم الفرح الغائب، والضحكات المدلاة كضفائر العشيات.

على قمة هذا الجبل أصغت الفجاج والريح وعروق العوسج، وأعناق النخيل، والقفار الموحشة، وأشجار البيد، والغيوم السارحة، وذرى هضبات نجد، لذلك العبق اللذيذ والصوت الشارد كارتجاف البرق، والحزن الأخضر الساكن في أعالي الروح: "صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا.. إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم".

لقد سرد الكثير من الدارسين مباحثهم حول هذه الشخصية الأسطورية "قيس"، وطرحوا رؤيتهم الفنية والإيحائية والجمالية، بما تنطوي عليه من مجازات وثنائيات مدهشة، ولكن الدكتور "حجر البنعلي" قدم مفارقة طريفة ودراسة غير مسبوقة، حول مرض "قيس بن الملوح"، وسبب موته نتيجة لإصابته بمرض شرايين القلب، الذي وصفه في إحدى قصائده حيث يقول الدكتور حجر: "إني أجزم بحكم معرفتي المهنية، كطبيب أمراض قلب، أن الذي كتب الأبيات كان يعاني مرض القلب، في أدق وصف عرف في تاريخ الطب العربي والعالمي حتى القرن الثامن عشر، ولا يمكن لأحد أن يأتي بمثل ذلك الوصف من خيال" ويؤكد الدكتور البنعلي أن الضغط النفسي أو الإجهاد العاطفي، يسببان ضعفا شديدا وحادا في عضلة قلب السليم من الأمراض، وقد تبين أن خمس حالات من الأعراض أو الأمراض النفسية تشكل خطورة كبيرة على القلب وهي: الكآبة والقلق والاضطرابات السلوكية والعزلة الاجتماعية والضغط النفسي المزمن، ويجزم الدكتور البنعلي-وهو الحاصل على زمالة كلية القلب الأميركية وجمعية القلب الأوروبية- أن قيسا أصيب بجلطة قلبية نتيجة لانسداد شريان القلب التاجي حين يقول: "كأن فؤادي في مخاليب طائر.. إذا ذكرت "ليلى" يشد به قبضا، كأن فجاج الأرض حلقة خاتم.. عليّ فما تزداد طولا ولا عرضا"، كما كان يعاني اضطرابات سرعة دقات القلب، نتيجة لإفرازات هرمونات "الكاتاكول أمين" حيث يقول: "دعا باسم ليلى غيرها فكأنما.. أطار بليلى طائر كان في صدري" وبهذا شخّص قيس داءه دون أن يضع أمام اسمه حرف الدال "المدكترة"، وبالذات الدال المزورة.